نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٠٥ - سورة التوبة
قوله «و أيّده بجنود لم تروها» و هم الملائكة و بدلالة أنّ الهاء من أوّل الآية إلى آخرها كناية عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و لم ينزل السكينة على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم في غير هذا المقام إلاّ عمّت من كان معه من المؤمنين، قال اللّه تعالى في يوم حنين: ثُمَّ أَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ عَلىََ رَسُولِهِ وَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ [١] و قال تعالى: إِذْ جَعَلَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ اَلْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ اَلْجََاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ عَلىََ رَسُولِهِ وَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ [٢] و في اختصاص الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم في الغار بالسكينة دون من كان معه ما فيه [٣] .
- عَفَا اَللََّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتََّى يَتَبَيَّنَ لَكَ اَلَّذِينَ صَدَقُوا وَ تَعْلَمَ اَلْكََاذِبِينَ [التوبة: ٤٣].
فإن قيل: فما وجه قوله تعالى مخاطبا لنبيه صلّى اللّه عليه و آله و سلم، لمّا استأذنه قوم في التخلّف عن الخروج معه إلى الجهاد فأذن لهم أوليس العفو لا يكون إلاّ عن الذنب؟و قوله «لم أذنت» ظاهر في العتاب لأنّه من أخصّ ألفاظ العتاب؟
الجواب: قلنا أمّا قوله تعالى: عَفَا اَللََّهُ عَنْكَ فليس يقتضي وقوع معصية و لا غفران عقاب، و لا يمتنع ان يكون المقصود به التعظيم و الملاطفة في المخاطبة؛ لأنّ أحدنا قد يقول لغيره إذا خاطبه: «أرأيت رحمك اللّه و غفر اللّه لك» و هو لا يقصد إلى الاستصفاح له عن عقاب ذنوبه، بل ربّما لم يخطر بباله أنّ له ذنبا، و إنّما الغرض الإجمالي في المخاطبة استعمال ما قد صار في العادة علما على تعظيم المخاطب و توقيره.
و أمّا قوله تعالى: لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ فظاهره الاستفهام و المراد به التقريع و استخراج ذكر علّة إذنه، و ليس بواجب حمل ذلك على العتاب؛ لأنّ أحدنا قد يقول لغيره: «لم فعلت كذا و كذا؟» تارة معاتبا، و أخرى مستفهما، و تارة مقرّرا، فليس هذه اللفظة خاصة للعتاب و الانكار. و أكثر ما يقتضيه و غاية ما يمكن أن يدعى فيها أن تكون دالّة على أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ترك الأولى و الأفضل، و قد بيّنا أن ترك
[١] سورة التوبة، الآية: ٢٦.
[٢] سورة الفتح، الآية: ٢٦.
[٣] الشافي في الإمامة و إبطال حجج العامّة، ٤: ٢٥.