نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٥٦ - ضرّا أحسّت نباة من مكلّب
فإن قيل: فلم لم يقل: و إن تغفر لهم فإنّك أنت الغفور الرحيم؟فهو أليق بالكلام و معناه من العزيز الحكيم.
قلنا: هذا سؤال من لم يعرف معنى الآية؛ لأنّ الكلام لم يخرج مخرج مسألة غفران، فيليق بما ذكر في السؤال، و إنّما ورد على معنى تسليم الأمر إلى مالكه. فلو قيل فإنّك أنت الغفور الرحيم، لأوهم الدعاء لهم بالمغفرة، و لم يقصد ذلك بالكلام، على أنّ قوله: «العزيز الحكيم» أبلغ في المعنى و أشدّ استيفاء[له]من «الغفور الرحيم» ؛ و ذلك أنّ الغفران و الرحمة قد يكونان حكمة و صوابا، و قد يكونان بخلاف ذلك، فهما بالاطلاق لا يدلاّن على الحكمة و الحسن. و الوصف بالعزيز الحكيم يشتمل على معنى الغفران و الرحمة إذا كانا صوابين، و يزيد عليهما باستيفاء معان كثيرة؛ لأنّ العزيز هو المنيع القادر الذي لا يذلّ و لا يضامّ، و هذا المعنى لا يفهم من الغفور الرحيم البتة. و أمّا الحكيم فهو الّذي يضع الأشياء مواضعها و يصيب بها أغراضها، و لا يفعل إلاّ الحسن الجميل؛ فالمغفرة و الرحمة إذا أقضتهما الحكمة دخلتا في قوله: اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ و زاد معنى هذه اللفظة عليهما من حيث اقتضاء وصفه بالحكمة في سائر أفعاله. و إنّما طعن بهذا الكلام من الملحدين من لا معرفة له بمعاني الكلام، و إلاّ فبين ما تضمّنه القرآن من اللفظة و بين ما ذكروه فرق ظاهر في البلاغة و استيفاء المعاني و الاشتمال عليها [١] .
[١] تنزيه الأنبياء و الأئمّة: ١٤٨.