نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٤ - سورة آل عمران
جميعهم كحال واحدهم لو وصفت بهذه الصفة على ما قرّره، فهكذا القول في الشهداء؛ لأنّ أكثر ما تقتضيه الشهادة نفي الكبائر عن صاحبها دون الصغائر، و حال الجميع في ذلك كحال الواحد أو الاثنين لو وصفا بهذه الصفة، فإن خرجت احدى الآيتين من أن تدلّ على صحّة الاجماع خرجت الأخرى، فإن أعاد هاهنا ما كنّا حكيناه عنه من أنّ تجويز الصغائر على الشهداء يخرجهم من أن يكونوا حجّة في شيء من أفعالهم و أقوالهم، و قد ثبت بمقتضى الآية أنّهم حجّة، فإذا ثبت ذلك، و لم يكن بعض أقوالهم و أفعالهم بذلك أولى من بعض، منعنا من وقوع الصغائر منهم.
قيل له: فكيف أنسيت هذا الضرب من الاستخراج في هذه الآية؟
و ألا سوّغت من تعلّق بها أن يعتمد مثله!فيقول: قد ثبت أن قوله تعالى:
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنََّاسِ تقتضي كون الموصوفين بالآية حجّة، و ليس بعض أقوالهم و أفعالهم بذلك أولى من بعض؛ لأنها لا تتميّز كتمييز بعض أفعال الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيجب نفي الصغائر عنهم، و ألاّ خرجت جميع أقوالهم و أفعالهم من أن تكون حجّة.
و قد كنّا أبطلنا هذه الطريقة عند اعتصامه بها في الآية المتقدّمة، و بيّنّا فسادها، فلا حاجة بنا إلى إعادة كلامنا عليها، و إنّما قصدنا بما أوردناه هاهنا إلزامه تصحيح التعلّق بالآيتين، أو إطراحهما و الكشف عن دخول ما طعن به في إحداهما على الأخرى، و الصحيح ما بيّنّاه من فساد التعلّق بكلّ واحدة منهما في صحّة الاجماع.
فأما قوله: «على أنّ قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنََّاسِ إن كانت إشارة إلى جميع المصدّقين فالمتعالم من حال كثير منهم خلافه، و إن كانت إشارة إلى غيرهم فذلك مجهول لا يعلم به حال جماعة مخصوصة يصير إجماعها حجّة» [١] .
[١] المغني ١٧: ١٩٧.