نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٩١ - ضرّا أحسّت نباة من مكلّب
العتق، و يجعلون سببه ما وقع من زيد بن حارثة و ابنه اسامة من المشاجرة، إلى غير ما ذكرناه من ضروب التأويلات و الاعتقادات.
و ما نعلم أن فرقة من فرق الأمة ردّت هذا الخبر، و اعتقدت بطلانه، و امتنعت من قبوله، و ما تجمع الأمة عليه لا يكون إلاّ حقّا عندنا و عند مخالفينا، و إن اختلفنا في العلّة و الاستدلال.
فإن قال: فما في تأويل مخالفيكم للخبر ما يدلّ على تقبلهم له، أو ليس قد يتأول المتكلّمون كثيرا ممّا يقبلونه، كأخبار المشبّهة و أصحاب الرؤية؟فما المانع من أن يكون في الأمة من يعتقد بطلانه أو يشك في صحّته.
قيل له: ليس يجوز أن يتأوّل أحد من المتكلّمين خبرا يعتقد بطلانه، أو يشك في صحّته، إلاّ بعد أن يبيّن ذلك من حاله و يدلّ على بطلان الخبر أو على فقد ما يقتضي صحّته، و لم نجد مخالفي الشيعة في ماض و لا مستقبل يستعملون في تأويل خبر الغدير إلاّ ما يستعمله المتقبل؛ لأنا لا نعلم أحدا منهم يعتدّ بمثله قدم الكلام في إبطاله، و الدفع له امام تأويله؛ و لو كانوا أو بعضهم يعتقدون بطلانه أو يشكّون في صحّته لوجب مع ما نعلمه من توفر دواعيهم إلى ردّ احتجاج الشيعة به، و حرصهم على دفع ما يجعلونه الذريعة إلى تثبيته أن يظهر عنهم دفعه سالفا و آنفا، و يشيع الكلام منهم في دفع الخبر كما شاع كلامهم في تأويله؛ لأن دفعه أسهل من تأويله، و أقوى في إبطال التعلّق به، و أنفى للشبهة.
فإن قال: أليس قد حكي عن ابن أبي داود السجستاني [١] دفع الخبر،
[١] هو أبو بكر عبد اللّه بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، ولد بسجستان ولاية واسعة من كور خراسان-سنة ٢٣٠ و طاف مع أبيه، أبي داود (صاحب السنن المشهور) في كثير من البلدان، و حضر معه على شيوخه ثم نزل بغداد أخيرا، فكان من كبار الحفاظ فيها، إلى حدّ أن قيل: إنه أحفظ من أبيه، كان يتّهم بالانحراف عن عليّ و الميل عليه، فأراد أن يدفع عنه هذه الشبهة فجعل يقرأ على الناس فضائل عليّ عليه السّلام إلى درجة أن ابن جرير الطبري استغرب ذلك لما بلغه فقال: «تكبيرة من حارس» و روى عنه أنه كان يقول: «كل من كان بيني و بينه شيء أو ذكرني بشيء فهو في حلّ إلاّ من رماني ببغض عليّ بن أبي طالب» كفّ بصره أخيرا و توفي ببغداد سنة ٣١٦ و دفن فيها، له كتب منها التفسير و السنن و المسند، و الناسخ و المنسوخ (انظر تاريخ بغداد ٩ من ص ٤٦٤-٤٦٨، و معجم البلدان: ١٣/١٩٠) .