نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٥٢ - ضرّا أحسّت نباة من مكلّب
حكى ابن قتيبة في تأويله وجها عن يحيى بن أكثم، طعن عليه و ضعّفه، و ذكر عن نفسه وجها آخر؛ نحن نذكرهما و ما فيهما، و نتبعهما بما نختاره.
قال ابن قتيبة: كنت حضرت يوما مجلس يحيى بن أكثم بمكّة، فرأيته يذهب إلى أنّ البيضة في هذا الحديث بيضة الحديد التي تغفر الرأس في الحرب، و أن الحبل من حبال السفن، قال: و كلّ واحد من هذين يبلغ ثمنه دنانير كثيرة؛ قال:
و رأيته يعجب بهذا التأويل، و يبدى فيه و يعيد، و يرى أنّه قطع به حجّة الخصم.
قال ابن قتيبة: و هذا إنّما يجوز على من لا معرفة له باللغة و مخارج الكلام، و ليس هذا موضع تكثير لما يأخذه السارق فيصرفه إلى بيضة تساوي دنانير؛ و حبل لا يقدر السارق على حمله؛ و لا من عادة العرب و العجم أن يقولوا: قبح اللّه فلانا!عرّض نفسه للضرر في عقد جوهر، و تعرّض لعقوبة الغلول في جراب مسك؛ و إنّما العادة في مثل هذا أن يقال: لعنة اللّه، تعرّض لقطع في حبل رثّ، أو إداوة خلق، أو كبّة شعر؛ و كلّ ما كان من ذلك أحقر كان أبلغ.
قال: و الوجه في الحديث أنّ اللّه تعالى لمّا أنزل على رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم:
وَ اَلسََّارِقُ وَ اَلسََّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمََا جَزََاءً بِمََا كَسَبََا ؛ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم:
«لعن اللّه السارق؛ يسرق البيضة فتقطع يده» ، على ظاهر ما أنزل عليه في ذلك الوقت، ثمّ أعلمه اللّه تعالى بعد أن القطع لا يكون إلاّ في ربع دينار فما فوقه، و لم يكن عليه السّلام يعلم من حكم اللّه تعالى إلاّ ما أعلمه اللّه تعالى، و لا كان اللّه يعرّفه ذلك جملة جملة، بل بيّن له شيئا بعد شيء.
[أقول]: و وجدت أبا بكر الأنباريّ يقول: ليس الذي طعن به ابن قتيبة على تأويل الخبر بشيء؛ قال: لأنّ البيضة من السلاح ليست علما في كثرة الثمن و نهاية علوّ القيمة؛ فتجري مجرى العقد من الجوهر، و الجراب من المسك؛ اللّذين هما ربّما ساويا الألوف من الدنانير، و البيضة من الحديد ربّما اشتريت بأقلّ ممّا يجب فيه القطع، و إنّما أراد عليه السّلام أنّه يكتسب قطع يده بما لا غناء له به، لأنّ البيضة من السلاح لا يستغنى بها أحد، و الجوهر و المسك في اليسير منهما غنى.