نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٢٥ - ضرّا أحسّت نباة من مكلّب
و ذكرنا ما هو أوضح من هذا كلّه، و هو أنّ القائل إذا قال: ضربت عبد اللّه، و أكرمت خالدا و بشرا، إنّ ردّ «بشرا» إلى حكم الجملة الماضية التي قد انقطع حكمها و وقع الخروج عنها لحن و خروج عن مقتضى اللغة، و قوله تعالى:
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ جملة مستقلّة بنفسها، و قد انقطع حكمها بالتجاوز لها إلى جملة أخرى، و هو قوله: وَ اِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ .
و لا يجوز أن تنصب الأرجل بمحذوف مقدّر؛ لأنّه لا فرق بين أن تقدّر محذوفا هو الغسل، و بين أن تقدّر محذوفا هو المسح، و لأنّ الحذف لا يصار إليه إلاّ عند الضرورة. و إذا استقلّ الكلام بنفسه من غير تقدير محذوف، لم يجز حمله على محذوف.
فأمّا حمل النصب على موضع الجارّ و المجرور، فهو جائز و شائع، إلاّ أنّه موجب للمسح دون الغسل؛ لأنّ الرؤوس ممسوحة، فما عطف على موضعها يجب أن يكون ممسوحا مثلها، إلاّ أنّه لمّا كان اعمال أقرب العاملين أولى و أكثر في القرآن و لغة العرب، وجب أن يكون جرّ الاية [١] حتّى تكون معطوفة على لفظة الرؤوس أولى من نصبها و عطفها على موضع الجارّ و المجرور؛ لأنّه أبعد قليلا، فلهذا ترجّحت القراءة بجرّ الأرجل على القراءة بنصبها.
و ممّا يبيّن أنّ حمل حكم الأرجل على حكم الرؤوس في المسح أولى، أنّ القراءة بالجر يقتضي المسح و لا يحتمل سواه، فالواجب حمل القراءة بالنصب على ما يطابق معنى القراءة بالجرّ؛ لأنّ القراءتين المختلفتين تجريان مجرى آيتين في وجوب المطابقة بينهما، و هذا الوجه يرجّح القراءة بالجرّ للأرجل على القراءة بالنصب لها.
ثمّ قال صاحب الكلام: فإن قال قائل: إنّه إذا نصب فقال: «أرجلكم» جاز أيضا أن يكون محمولا على المسح، كما قال: «مررت بزيد و عمرا» فحملوا عمرا على موضع الجارّ و المجرور، حيث كانا في موضع نصب، فلم لا
[١] في الهامش: الارجل.