نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٧٨ - سورة النّساء
عليه، فإنّ الوضوء به جائز، و لا اعتبار في الغلبة بظهور اللّون، أو الطعم، أو الرائحة، بل بغلبة الأجزاء على حدّ يسلبه اطلاق اسم الماء...
دليلنا على صحّة ما ذهبنا إليه مع إجماع الفرقة المحقّة، قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مََاءً فَتَيَمَّمُوا فنقلنا من الماء عند فقده إلى التراب من غير واسطة، و الماء الّذي خالطه يسير من زعفران يطلق عليه اسم الماء، و لا ينتقل مع وجوده إلى التّراب.
و أيضا قوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [١] عامّ في كلّ مائع يتأتّى الاغتسال به، إلى أن يقوم دليل على إخراج بعضها.
و ليس لأحد أن يدّعي: أنّ يسير الزّعفران إذا خالطه الماء سلبه إطلاق اسم الماء، و ذلك أنّ إطلاق الاسم هو الأصل، و التّقييد داخل عليه و طار بعده، كالحقيقة و المجاز، فمن ادّعى زوال الإطلاق في الماء فعليه الدّليل.
و بعد؛ فإنّهم يقولون في ذلك: انّه ماء وقع فيه زعفران و لا يضيفونه إليه كما يضيفون الماء المعتصر من الزّعفران إليه.
و ممّا يدلّ على أن تغيّر أحد الأوصاف لا معتبر به: أنّ الماء الّذي يجاوره الطّيب الكثير كالمسك و غيره، قد تتغيّر رائحته بمجاورة الطّيب، و مع هذا فلا خلاف في جواز الوضوء به [٢] .
[الخامس: قال الناصر رحمه اللّه: ] «و لا يجوز الوضوء بشيء من الأنبذة» .
عندنا: أنّ الوضوء بشيء من الأنبذة لا يجوز، لا النّيّة منها، و لا المطبوخة، و لا النّقيعة، و هو مذهب مالك، و الشافعي، و أبي يوسف و أحمد بن حنبل و داود [٣] .
و أجاز أبو حنيفة التّوضّؤ بنبيذ التمر المطبوخ الشّديد عند عدم الماء [٤] .
[١] سورة المائدة، الآية: ٦.
[٢] الناصريات: ٧٣.
[٣] المغني (لابن قدامة) ، ١: ٩.
[٤] بداية المجتهد، ١: ٣٤.