نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٧٩ - سورة يوسف
يريد ما ذكرناه من السهولة و الخفّة. [و على هذا الجواب لا يمتنع أن يكون إنّما عنى فعلهم به دون فعله؛ لأنّه لم يخبر عن نفسه بالمحبّة التي هي الارادة و انّما وضع أحب موضع أخف و المعصية قد تكون أهون و أخف من أخرى] [١] .
و الوجه الآخر: أنّه أراد أنّ توطيني نفسي و تصبيري لها على السجن أحبّ إليّ من مواقعة المعصية.
فإن قيل: هذا خلاف الظاهر لأنّه مطلق و قد أضمرتم فيه.
قلنا: لا بدّ من مخالفة الظاهر؛ لأنّ السجن نفسه لا يجوز أن يكون مرادا ليوسف عليه السّلام و كيف يريده و إنّما السجن البنيان المخصوص، [و إنّما يريد الفعل فيها، و المتعلّق بها؛ و السجن نفسه ليس بطاعة و لا معصية و إنّما الأفعال فيه قد تكون طاعات و معاصي بحسب الوجوه التي يقع عليها، و إدخال القوم يوسف الحبس، أو اكراههم له على دخوله معصية منهم، و كونه فيه و صبره على ملازمته، و المشاق التي تناله باستيطانه كان طاعة منه و قربة و قد علمنا ان ظالما لو أكره مؤمنا على ملازمة بعض المواضع، و ترك التصرّف في غيره لكان فعل المكره حسنا و ان كان فعل المكره قبيحا] [٢] .
و إنّما يكون الكلام ظاهره يخالف ما قلناه، إذا قرئ: ربّ السّجن «بفتح السين» و إن كانت هذه القراءة أيضا محتملة للمعنى الّذي ذكرناه، فكأنّه أراد أنّ سجني نفسي عن المعصية أحبّ إليّ من مواقعتها، فرجع معنى السجن إلى فعله دون افعالهم، و إذا كان الأمر على ما ذكرناه، فليس للمخالف أن يضمر في الكلام انّ كوني في السجن و جلوسي فيه أحبّ إليّ، بأولى ممّن أضمر ما ذكرنا؛ لأنّ كلا الأمرين يعود إلى السجن و يتعلّق به.
[و ليس لهم أن يقدروا ما يرجع إلى الحابس من الأفعال إلاّ و لنا أن نقدر ما يرجع إلى المحبوس، و إذ احتمل الكلام الأمرين، و دلّ الدليل على أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لا يجوز أن يريد المعاصي و القبائح اختصّ المحذوب المقدّر بما
[١] ما بين المعقوفتين من الأمالي، ١: ٤٦٢.
[٢] ما بين المعقوفتين من الأمالي، ١: ٤٦٤.