نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٧٠ - سورة يوسف
تعالى وليّ من عزم على الفرار عن نصرة نبيه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و إسلامه إلى السوء، و مما يشهد أيضا بذلك قول كعب بن زهير:
فكم فيهم من سيّد متوسّع # و من فاعل للخير إن همّ أو عزم [١]
ففرّق كما ترى بين الهمّ و العزم، و ظاهر التفرقة قد يقتضي اختلاف المعنى.
و من وجوه الهمّ أن يستعمل بمعنى المقاربة، فيقولون: هم بكذا و كذا أي كاد أن يفعله. قال ذو الرمة:
أقول لمسعود بجرعاء مالك # و قد همّ دمعي أن يلج أوائله [٢]
و الدمع لا يجوز عليه العزم، و إنّما أراد أنّه كاد و قرب.
و قال أبو الأسود الدؤلي:
و كنت متى تهمم يمينك مرّة # لتفعل خيرا تقتفيها شمالكا [٣]
و على هذا خرج قوله تعالى: جِدََاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [٤] أي يكاد.
قال الحارثي:
يريد الرّمح صدر أبي براء # و يرغب عن دماء بني عقيل
و من وجوه الهمّ: الشهوة و ميل الطباع؛ لأنّ الإنسان قد يقول فيما يشتهيه و يميل طبعه إليه: ليس هذا من همّي و هذا أهمّ الأشياء إليّ. و التجوّز باستعمال الهمّة مكان الشهوة ظاهر في اللغة. و قد روي هذا التأويل عن الحسن البصري قال: أمّا همّها فكان أخبث الهمّ، و اما همّه عليه السّلام فما طبع عليه الرجال من شهوة النساء [٥] .
فإذا كانت وجوه هذه اللفظة مختلفة متّسعة على ما ذكرناه نفينا عن نبيّ اللّه
[١] الفروق اللغوية ١: ٣٥٧ عن ديوانه: ٦٩.
[٢] راجع الأغاني ٤: ٤٩٩ و فيه: ان تسح أوائله.
[٣] راجع اللسان ٣: ١٨٧. بلا غرو.
[٤] سورة الكهف، الآية: ٧٧.
[٥] و اختاره أبو علي الجبائي، راجع الأمالي، ١: ٤٥٥.