نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٦٤ - سورة يوسف
أرادوا به الذهاب عن التسوية بينهم في العطية؛ لأنّهم رأوا أنّ ذلك أصوب في تدبيرهم. و أصل الضلال هو العدول، و كلّ من عدل عن شيء و ذهب عنه فقد ضلّ. و يجوز أيضا أن يريدوا بذلك الضلال عن الدين؛ لأنّهم خبّروا عن اعتقادهم. و يجوز أن يعتقدوا في الصواب الخطأ.
فإن قيل: كيف يجوز أن يقع من إخوة يوسف عليه السّلام هذا الخطأ العظيم و الفعل القبيح و قد كانوا أنبياء في الحال؟فإن قلتم: لم يكونوا أنبياء في تلك الحال، قيل لكم: و أيّ منفعة في ذلك لكم و أنتم تذهبون إلى أنّ الأنبياء عليهم السّلام لا يوقعون القبائح قبل النبوّة و لا بعدها؟.
قلنا: لم تقم الحجة بأنّ إخوة يوسف عليه السّلام الذين فعلوا به ما فعلوه كانوا أنبياء في حال من الاحوال، و إذا لم تقم بذلك حجة جاز على هؤلاء الأخوة من فعل القبيح ما يجوز على كلّ مكلّف لم تقم حجّة بعصمته، و ليس لأحد أن يقول: كيف تدفعون نبوّتهم؟و الظاهر أنّ الأسباط من بني يعقوب كانوا إنبياء؛ لأنّه لا يمتنع أن يكون الاسباط الذين كانوا أنبياء غير هؤلاء الأخوة الذين فعلوا بيوسف عليه السّلام ما قصّه اللّه تعالى عنهم. و ليس في ظاهر الكتاب أنّ جميع إخوة يوسف عليه السّلام و ما سائر أسباط يعقوب عليه السّلام كادوا يوسف عليه السّلام بما حكاه اللّه تعالى من الكيد. و قد قيل: إنّ هؤلاء الأخوة في تلك الأحوال لم يكونوا بلغوا الحلم و لا توجّه إليهم التكليف. و قد يقع ممن قارب البلوغ من الغلمان مثل هذه الأفعال، و قد يلزمهم بعض العقاب و اللوم و الذمّ، فإن ثبت هذا الوجه سقطت المسألة أيضا، مع تسليم أنّ هؤلاء الأخوة كانوا أنبياء في المستقبل [١] .
- قََالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَ أَخََافُ أَنْ يَأْكُلَهُ اَلذِّئْبُ وَ أَنْتُمْ عَنْهُ غََافِلُونَ [٢] [يوسف: ١٣].
[فإن قيل: فلم أرسل يعقوب عليه السّلام يوسف مع إخوته، مع خوفه عليه منهم] و هل هذا إلاّ تغرير به و مخاطرة؟
[١] تنزيه الأنبياء و الأئمّة: ٦١ و ٦٩.
[٢] سورة يوسف الآية: ١٣.