نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٥٧ - سورة هود
«ذلك» ؛ و لو أرادها لقال: و لتلك خلقهم، فلمّا قال: وَ لِذََلِكَ خَلَقَهُمْ كان رجوعه إلى الاختلاف أولى. و ليس يبطل حمل الآية على الاختلاف من حيث لم يكن مذكورا فيها؛ لأنّ الرحمة أيضا غير مذكورة فيها، و إذا جعلتم قوله تعالى: إِلاََّ مَنْ رَحِمَ دالاّ على الرحمة فكذلك قوله: مُخْتَلِفِينَ دالّ على الاختلاف؛ على أنّ الرحمة هي رقّة القلب و الشفقة؛ و ذلك لا يجوز على اللّه تعالى، و متى ما تعدّى بها ما ذكرناه، لم يعن بها إلاّ العفو و إسقاط الضرر، و ما جرى مجراه عن مستحقّه، و هذا ممّا لا يجوز أن يكونوا مخلوقين له على مذهبكم، لأنّه لو خلقهم للعفو لما حسن منه عقاب المذنبين و مؤاخذة المستحقين.
الجواب: يقال له: أمّا قوله تعالى: وَ لَوْ شََاءَ رَبُّكَ فإنّما عني بها المشيئة التي ينضمّ إليها الإلجاء، و لم يعن المشيئة على سبيل الاختيار، و إنّما أراد تعالى أن يخبرنا عن قدرته، و أنّه لا يغالب، و لا يعصي مقهورا؛ من حيث كان قادرا على إلجاء العبيد، و إكراههم على ما أراد منهم.
فأمّا لفظة «ذلك» في الآية فحملها على الرحمة أولى من حملها على الاختلاف؛ لدليل العقل و شهادة اللفظ، فأمّا دليل العقل فمن حيث علمنا أنّه تعالى كره الاختلاف؛ و الذّهاب عن الدين، و نهى عنه، و توعّد عليه، فكيف يجوز أن يكون شائيا له، و مجريا بخلق العباد إليه.
و أمّا شهادة اللفظ فلأنّ الرحمة أقرب إلى هذه الكناية من الاختلاف، و حمل اللفظ على أقرب المذكورين إليها أولى في لسان العرب.
فأمّا ما طعن به السائل، و تعلّق به من تذكير الكناية، و أنّ الكناية عن الرحمة لا تكون إلاّ مؤنثة فباطل، لأنّ تأنيث الرحمة غير حقيقي، و إذا كني عنها بلفظة التذكير كانت الكناية على المعنى، لأنّ معناها هو الفضل و الإنعام؛ كما قالوا:
سرّني كلمتك، يريدون سرّني كلامك، و قال اللّه تعالى: هََذََا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي [١] ؛ و لم يقل «هذه» ، و إنّما أراد هذا فضل من ربي؛ و قالت الخنساء:
[١] سورة الكهف، الآية: ٩٨.