نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٠٢ - سورة التوبة
أراد: فمتى تظنّ الدار!
و قال الآخر:
أجهّالا تقول بني لؤيّ # لعمر أبيك أم متجاهلينا! [١]
أراد: تظنّ بني لؤيّ.
و قال توبة بن الحميّر:
ألا يا صفيّ النّفس كيف تقولها # لو أنّ طريدا خائفا يستجيرها [٢]
تخبّر إن شطّت بها غربة النّوى # ستنعم ليلى أن يفكّ أسيرها
أراد: كيف تظنها؟
فلمّا كان القول يستعمل في الأمرين معا أفاد قوله تعالى: بِأَفْوََاهِهِمْ قصر المعنى على ما يكون باللسان دون القلب، و لو أطلق القول، و لم يأت بذكر الأفواه لجاز أن يتوهّم المعنى الآخر.
و ممّا يشهد لذلك قوله تعالى: إِذََا جََاءَكَ اَلْمُنََافِقُونَ قََالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اَللََّهِ وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اَللََّهُ يَشْهَدُ إِنَّ اَلْمُنََافِقِينَ لَكََاذِبُونَ [٣] ، فلم يكذّب تعالى قول ألسنتهم: لأنّهم لم يخبروا بأفواههم إلاّ بالحقّ، بل كذّب ما يرجع إلى قلوبهم من الاعتقادات.
و وجه آخر: و هو أن تكون الفائدة في قوله تعالى: بِأَفْوََاهِهِمْ أنّ القول لا برهان عليه، و أنّه باطل كذب لا يرجع فيه إلاّ إلى مجرّد القول باللسان؛ لأنّ الإنسان قد يقول بلسانه الحقّ و الباطل، و إنّما يكون قوله حقّا إذا كان راجعا إلى قلبه، فتكون إضافة القول إلى اللسان تقتضي ما ذكرناه من الفائدة، و هذا كما يقول القائل لمن يشكّ في قوله أو يكذبه: هكذا تقول بلسانك، و ليس الشأن فيما تقوله و تتفوّه به و تقلّب به لسانك؛ فكأنّهم أرادوا أن يقولوا: هذا قول لا برهان
[١] البيت للكميت بن زيد الأسدي؛ و هو من (شواهد ابن عقيل على الألفية: ١/٣٩٧) .
[٢] البيتان من قصيدة طويلة؛ ذكرت بتمامها في تزيين الأسواق ٩٦-٩٨.
[٣] سورة المنافقون، الآية: ١.