نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٨٣ - سورة الأعراف
و قد دلّ على صحّة تأويلنا هذا قوله تعالى في آخر الآية: فَتَعََالَى اَللََّهُ عَمََّا يُشْرِكُونَ فبيّن عز و جلّ أن الذين جعلوا لللّه شركاء هم جماعة، فلهذا جعل إضمارهم إضمار الجماعة فقال: يُشْرِكُونَ ؛ مضى كلام أبي عليّ.
و قد قيل في قوله تعالى فَلَمََّا آتََاهُمََا صََالِحاً مضافا إلى الوجه المتقدّم- الّذي هو أنّه أراد بالصلاح الاستواء في الخلقة و الاعتدال في الأعضاء-وجه آخر و هو أنه لو أراد الصلاح في الدين لكان الكلام أيضا مستقيما؛ لأنّ الصالح في الدين قد يجوز أن يكفر بعد صلاحه فيكون في حال صالحا و في آخري مشركا و هذا لا يتنافى [١] .
و منها: ما ذكره أبو مسلم محمّد بن بحر الأصفهاني [٢] ، فإنّه يحمل الآية على أنّ الكناية في جميعها غير متعلّقة بآدم و حوّآء عليهما السّلام، فيجعل الهاء في «تغشّئها» و الكناية في دَعَوَا اَللََّهَ رَبَّهُمََا و آتََاهُمََا صََالِحاً راجعين إلى من أشرك. و لم يتعلّق بآدم عليه السّلام من الخطاب إلاّ قوله تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وََاحِدَةٍ قال: و الإشارة في قوله: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وََاحِدَةٍ إلى الخلق عامة، و كذلك قوله:
وَ جَعَلَ مِنْهََا زَوْجَهََا ثمّ خصّ منها بعضهم، كما قال اللّه تعالى: هُوَ اَلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ حَتََّى إِذََا كُنْتُمْ فِي اَلْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [٣] فخاطب الجماعة بالتسيير في البرّ و البحر، ثمّ خصّ راكب البحر بقوله تعالى: وَ جَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ كذلك هذه الآية أخبرت عن جملة أمر البشر بأنّهم مخلوقون من نفس واحدة و زوجها، و هما آدم و حوّاء ثم عاد الذكر إلى الّذي سأل اللّه تعالى ما سأل فلمّا أعطاه إيّاه، إدّعى له الشركاء في عطيته.
قال و جائز أن يكون عنى بقوله: هُوَ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وََاحِدَةٍ المشركين؛ خصوصا إذا كان كلّ بني آدم مخلوقا من نفس واحدة و زوجها.
[١] الأمالي، ٢: ١٩٩ إلى ٢٠١.
[٢] كاتب، متكلّم، مفسّر، محدّث، نحوي، شاعر، من مؤلّفاته جامع التأويل لمحكم التنزيل على مذهب المعتزلة، ولد سنة: ٢٥٤ و توفّي سنة: ٣٣٢. انظر: معجم الأدباء، ١٨: ٣٥.
[٣] سورة يونس، الآية: ٢٢.
غ