نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٦٧ - سورة الأعراف
و إذا[صرفهم عنها فقد صرفها عنهم]، و كلا اللّفظتين تفيد معنى واحدا. و ليس لأحد أن يقول هلاّ قال: «سأصرف آياتي عن الذين يتكبرون» ؛ و الآيات ههنا هي المعجزات التي تختص بها الأنبياء.
فإن قيل: فأيّ فائدة في قوله على سبيل التعليل: ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا و أيّ معنى لتخصيصه الذين يتكبّرون في الأرض بغير الحقّ، و هو لا يؤتى الآيات و المعجزات إلاّ الأنبياء دون غيرهم، و إن كان ممّن لا يتكبّر؟
قلنا: لخروج الكلام مخرج التعليل على هذا التأويل وجه صحيح؛ لأنّ من كذّب بآيات اللّه لا يؤتي معجزاته لتكذيبه و كفره، و إن كان قد يكون غير مكذّب، و يمنع من إتيانه الآيات علّة أخرى؛ فالتكبّر و البغي بغير الحقّ مانع من إتياء الآيات، و ان منع غيره. و يجري هذا مجرى قول القائل: أنا لا أودّ فلانا لغدره، و لا يلزم إذا لم يكن غادرا أن يودّه، لأنّه ربّما خلا من الغدر و حصل على صفة أخرى تمنع من مودّته.
و يجوز أيضا أن تكون الآية خرجت على ما يجري مجرى السبب، و أن يكون بعض الجهّال في ذلك العصر اعتقد جواز ظهور المعجزات على يد الكفّار المتكبّرين، فأكذبهم اللّه تعالى بذلك.
و رابعها: أن يكون المراد بالآيات العلامات التي يجعلها اللّه تعالى في قلوب المؤمنين؛ ليدلّ بها الملائكة على الفرق بين المؤمن و الكافر، فيفعلوا بكلّ واحد منهما ما يستحقّه من التعظيم و الاستخفاف، كما تأوّل أهل الحق الطبع و الختم الذين ورد بهما القرآن على أنّ المراد بهما العلامة المميّزة بين الكافر و المؤمن؛ فيكون سأصرفه عنها، أي أعدل بها عنهم، و أخصّ بها المؤمنين المصدّقين بآياتي و أنبيائي. و هذا التأويل يشهد له أيضا قوله تعالى: ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا وَ كََانُوا عَنْهََا غََافِلِينَ ؛ لأنّ صرفهم عن هذه الآيات كالمستحقّ لتكذيبهم و إعراضهم عن آياته تعالى.
و خامسها: أن يريد تعالى: إنّي أصرف من رام المنع من أداء آياتي