نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٦٤ - سورة الأعراف
بالأبصار من حيث نفي الرؤية نفيا عاما بقوله تعالى: لَنْ تَرََانِي ؛ ثمّ أكدّ ذلك بأن علّق الرؤية باستقرار الجبل الذي علمنا أنّه لم يستقرّ. و هذه طريقة للعرب معروفة في تبعيد الشيء؛ لأنّهم يعلّقونه بما يعلم أنّه لا يكون؛ كقولهم: لا كلّمتك ما أضاء الفجر، و طلعت الشمس؛ و كقول الشاعر:
إذا شاب الغراب رجوت أهلي # و صار القير كاللبن الحليب
و ممّا يجري هذا المجرى قوله تعالى: وَ لاََ يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ حَتََّى يَلِجَ اَلْجَمَلُ فِي سَمِّ اَلْخِيََاطِ [١] [٢] .
و ليس لاحد أن يقول: إذا علّق الرؤية باستقرار الجبل؛ و كان ذلك في مقدوره، فيجب أن تكون الرؤية معلّقة به أيضا في مقدوره؛ بأنّه لو كان الغرض بذلك التبعيد لعلّقه بأمر يستحيل، كما علّق دخولهم الجنّة بأمر مستحيل؛ من ولوج الجمل في سمّ الخياط؛ و ذلك أنّ تشبيه الشيء بغيره لا يجب أن يكون من جميع الوجوه؛ و لمّا علّق وقوع الرؤية باستقرار الجبل-و قد علم أنّه لا يستقرّ- علم نفي الرؤية. و ما عدا ذلك من كون الرؤية مستحيلة و غير مقدورة، و استقرار الجبل بخلافها يخرج عن ما هو الغرض في التشبيه على أنّه إنّما علّق تعالى جواز الرؤية باستقرار الجبل في تلك الحال التي جعله فيها دكّا، و ذلك محال لما فيه من اجتماع الضدّين، فجرى مجرى جواز الرؤية في الاستحالة. و ليس يجب في كلّ ما علّق بغيره أن يجري مجراه في سائر وجوهه؛ حتى إذا كان أحدهما مع انتفائه مستحيلا كان الآخر بمثابته؛ لأنّ تعلّق دخول الكفار الجنّة إنّما علّق بولوج الجمل في سمّ الخياط؛ و ولوج الجمل في سمّ الخياط مستحيل، بل معلوم أنّ الأوّل في المقدور و إن كان لا يحسن و الثاني ليس فيه المقدور. و هذه الجملة كافية في تأويل هذه الآية و بيان ما فيها و الحمد للّه [٣] .
[١] سورة الأعراف، الآية: ٤٠.
[٢] استشهد بهذه الآية في مواضع من كتبه للتعليق بما لا يقع على سبيل التبعيد، انظر. تنزيه الأنبياء و الأئمّة: ١٨٠ و الأمالي، ١: ٨٠.
[٣] الأمالي، ٢: ١٨٥ و راجع أيضا تنزيه الأنبياء و الأئمّة: ١١١ و ١٧٨ و الملخص في أصول الدين، ٢: ٢٦٤.