نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٦٣ - سورة الأعراف
المستحيلة عليه تعالى؛ فإن الأنبياء عليهم السّلام و ان لم يقع منهم القبائح فقد يقع من غيرهم و يحتاج من وقع ذلك منه إلى التوبة و الاستغفار و الاستقالة و هذا بين بحمد اللّه و منه [١] ].
فأمّا قوله تعالى: فَلَمََّا تَجَلََّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ فإن التجلّي هاهنا التعريف و الإعلام و الإظهار لما تقتضى المعرفة، كقولهم: هذا كلام جليّ أي واضح، و كقول الشاعر:
تجلّى لنا بالمشرفيّة و القنا # و قد كان عن وقع الأسنّة نائيا
أراد أنّ تدبيره دلّ عليه حتى علم أنّه المدبّر له و إن كان نائيا عن وقع الأسنة، فأقام ما ظهر من دلالة فعله على مقام مشاهدته، و عبّر عنه بأنّه تجلّى منه.
و في قوله: لِلْجَبَلِ وجهان:
أحدهما: أن يكون المراد لأهل الجبل، و من كان عند الجبل، فحذف؛ كما قال تعالى: وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [٢] ؛ فَمََا بَكَتْ عَلَيْهِمُ اَلسَّمََاءُ وَ اَلْأَرْضُ [٣] .
و قد علمنا أنّه بما أظهره من الآيات إنّما دلّ من كان عند الجبل على أنّ رؤيته تعالى غير جائزة.
و الوجه الآخر: أن يكون المعنى لِلْجَبَلِ أي بالجبل، فأقام اللام مقام الباء؛ كما قال تعالى: آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ [٤] ؛ أي به؛ و كما يقولون:
أخذتك لجرمك أي بجرمك.
و لمّا كانت الآية الدالّة على منع ما سئل فيه إنّما حلّت الجبل و ظهرت فيه جاز أن يضاف التجلّي إليه.
و قد استدلّ بهذه الآية كثير من العلماء الموحّدين على أنّه تعالى لا يرى
[١] ما بين المعقوفتين من تنزيه الأنبياء و الأئمّة: ١١٥.
[٢] سورة يوسف، الآية: ٨٢.
[٣] سورة الدخان، الآية: ٢٩.
[٤] سورة الأعراف، الآية: ١٢٣.