نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٥٤ - سورة الأعراف
قال صاحب الكتاب: «و بعد، فإن وجود الشيء لا يقتضي وجوبه[فلو ثبت أن موسى عليه السّلام لو مات لكان الذي يخلفه هارون لم يدل ذلك على وجوبه] [١] ، بل كان لا يمتنع أن يكون مخيرا إن شاء استخلفه، و إن شاء استخلف غيره، أو جمع بين الكلّ و إن شاء ترك الأمر شورى [٢] ليختار صالحوا أصحابه من يقوم بالحدود و الأحكام، و إذا كان كلّ ذلك مجوّزا عندنا فكيف يصحّ الاعتماد عليه في وجوب النصّ على الوجه الذي تذهبون إليه؟و إنّما يوصف الاستخلاف بأنّه منزلة متى وجبت لسبب، فأمّا إذا وقع بالاختيار على وجه كان يجوز أن لا يحصل و يحصل خلافه فلا يكاد يقال إنه منزلة فكيف يدخل ما جرى هذا المجرى تحت الخبر و كلّ ذلك يقوي أن المراد بالخبر ما ذكرناه، ... » [٣] .
يقال له: هذا كلام من هو ساه عمّا نحن معه فيه؛ لأنّ كلامنا إنّما هو في أن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم نصّ على أمير المؤمنين عليه السّلام بالخلافة بعده، و جعل الإمامة فيه، و له دون غيره، و أن هذه منزلة له منه كما أن هارون لو بقي بعد أخيه موسى لكان خليفته بعده، فأما الكلام في أن النص بالإمامة حصل على جهة الوجوب، و أنه ممّا كان يجوز أن يحصل خلافه، و هل كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم في ذلك مخيّرا أو غير مخيّر، فهو غير ما نحن فيه الآن، و غير ما شرعت في حكاية أدلة أصحابنا عليه، و الكلام فيه كلام في مسألة أخرى كالمنفصلة عن النصّ و إثباته، و يكفي أصحابنا فيما قصدوه بأدلتهم التي حكيتها أن يثبت لأمير المؤمنين عليه السّلام بعد الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم الإمامة و التصرّف في تدبير الأمة[و]بذلك يتمّ غرضهم المقصود، و ما سواه من وجوب ذلك أو جوازه لا شاغل لهم به في هذا الموضع.
على أنا نقول له: نحن ننزل خلافة أمير المؤمنين عليه السّلام للرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم على أمته بعده منزلة نبوّة موسى من هارون عندك، و نقول فيها ما تقوله أنت في نبوّتهما و نبوّة غيرهما من الأنبياء عليهم السّلام؛ لأنك لا تقطع في النبوّة على أن زيدا بعينه كلّفها على سبيل الوجوب، بل تجوّز أن يتساوى اثنان أو جماعة في حسن
[١] ما بين المعقوفتين ساقط من «المغني» .
[٢] في المغني «أو جعل الأمر شورى» .
[٣] المغني، ٢٠: ١٨٠.