نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٥٢ - سورة الأعراف
من الوجوه المختلفة، فكيف يصحّ للقوم أن يعتمدوا على ذلك في الإمامة، ... » [١]
يقال له: ما أشدّ اختلاف كلامك في هذا الباب، و أظهر رجوعك فيه من قول إلى ضدّه و خلافه؛ لأنّك قلت أولا فيما حكيناه عنك: «إنّ هارون من حيث كان شريكا لموسى في النبوّة يلزمه القيام فيهم بما لا يقوم به الأئمّة و إن لم يستخلفه» ثم عقبت ذلك بأن قلت: «غير واجب فيمن كان شريكا لموسى في النبوّة أن يكون إليه ما إلى الأئمة» ثمّ رجعت عن ذلك في فصل آخر فقلت: «إنّ هارون لو عاش بعد موسى لكان الذي ثبت له أن يكون كما كان من قبل و قد كان من قبل له أن يقوم بهذه الأمور لنبوّته» فجعلت القيام بهذه الأمور من مقتضى النبوّة كما ترى، ثمّ أكّدت ذلك في فصل آخر حكيناه أيضا بأن قلت لمن خالفك: «في أن موسى لو لم يستخلف هارون بعده ما كان يجب له القيام بعده بما يقوم به الأئمّة، إن جاز مع كونه شريكا له في النبوّة أن يبقى بعده، و لا يكون له ذلك ليجوزنّ و إن استخلفه أن لا يكون له ذلك» ثمّ ختمت جميع ما تقدّم هذا الكلام الذي هو رجوع عن أكثر ما تقدّم، و تصريح بأنّ النبوّة لا تقتضي القيام بهذه الأمور، و إن الفرض على المتأمّل في هذا هو الشكّ و ترك القطع على أحد الأمرين، فعلى أيّ شيء يحصل من كلامك المختلف؟و على أيّ الأقوال نعوّل؟ و ما نظنّ أن الاعتماد و الاستقرار إلاّ على هذا الفصل المتأخّر؛ فإنه بتأخّره كالناسخ و الماحي لما قبله، و الذي تضمنه من أن النبوّة لا توجب بمجردها القيام بالامور التي ذكرتها، و إنّما يحتاج في ثبوت هذه الأمور مضافة إلى النبوّة إلى دليل صحيح، و قد بيّناه فيما تقدّم من كلامنا.
فأمّا شكّه في حال موسى و هارون عليهما السّلام، و قوله: «ما نعلم كيف كانت الحال فيما إليهما» فقد بيّنا أنّه لا يجب الشك في ذلك، لا من حيث كانت نبوّة هارون تقتضي قيامه بما يقوم به الأئمّة، بل من حيث ثبت بدليل الآية التي تلوناها،
[١] المغني، ٢٠: ١٨٠.