نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٩٨ - سورة الأعراف
٢٩٨
مِنْهََا ؟فيقال له: لم ينف عودهم إليها على كل وجه؛ و إنّما نفى العود إليها مع كونها منسوخة منهيّا عنها؛ و الذي علّقه بمشيئة اللّه تعالى من العود إليها هو بشرط أن يأمر بها، و يتعبّد بمثلها، و الجواب مستقيم لا خلل فيه.
و ثانيها: أنّه أراد أنّ ذلك لا يكون أبدا من حيث علّقه بمشيئة اللّه تعالى لمّا كان معلوما أنّه لا يشاؤه؛ و كلّ أمر علّق بما لا يكون فقد نفي كونه على أبعد الوجوه؛ و تجري الآية مجرى قوله تعالى: وَ لاََ يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ حَتََّى يَلِجَ اَلْجَمَلُ فِي سَمِّ اَلْخِيََاطِ [١] و كما يقول القائل: أنا لا أفعل كذا حتى يبيضّ القار؛ أو يشيب الغراب؛ و كما قال الشاعر:
و حتّى يؤوب القارظان كلاهما # و ينشر في القتلى كليب لوائل [٢]
و القارظان لا يؤوبان أبدا، و كليب لا ينشر أبدا؛ فكأنّه قال: إنّ هذا لا يكون أبدا.
و ثالثها: ما ذكره قطرب بن المستنير من أنّ في الكلام تقديما و تأخيرا، و أنّ الاستثناء من الكفّار وقع لا من شعيب؛ فكأنّه تعالى قال حاكيا عن الكفّار:
لَنُخْرِجَنَّكَ يََا شُعَيْبُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنََا [٣] ، إلاّ أن يشاء اللّه أن تعودوا في ملّتنا؛ ثمّ قال حاكيا عن شعيب: وَ مََا يَكُونُ لَنََا أَنْ نَعُودَ فِيهََا على كلّ حال.
و رابعها: أن تكون الهاء التي في قوله: «فيها» إلى القرية لا إلى الملّة؛ لأنّ ذكر القرية قد تقدّم كما تقدم ذكر الملّة؛ و يكون تلخيص الكلام: إنّا سنخرج من قريتكم، و لا نعود فيها إلاّ أن يشاء اللّه بما ينجزه لنا من الوعد في الإظهار عليكم، و الظّفر بكم، فنعود إليها.
و خامسها: أن يكون المعنى: إلاّ أن يشاء اللّه أن يردّكم إلى الحقّ، فنكون
[١] سورة الأعراف، الآية: ٤٠.
[٢] البيت لأبي ذؤيب الهذليّ، ديوان الهذليين: ١١/٤٥. و القارظان هما رجلان من عنزة؛ خرجا ينتحيان القرظ و يجتنيانه، فلم يرجعا فضرب بهما المثل؛ و انظر اللسان (قرظ) ، و شرح ديوان الهذليين.
[٣] سورة الأعراف، الآية: ٨٨.
غ