نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٧٦ - سورة الأنعام
و جرى مجرى أن تقول: «أدركت حرارة كذا بأنفي أو أذني» في أنّه يؤيّد ما يقتضيه ظاهر تعلّق الإدراك بالأنف و الأذن مع الإطلاق.
على أنّ الآية إذا اقتضت نفي إدراك الأبصار عنه تعالى، فيجب أن تنفي ذلك على كلّ وجه يضاف إلى البصر، فبقي أن يكون مرئيا بالبصر، و مدركا به على سبيل إدراك الحرارة و غيرها، و هذا بيّن في سقوط السؤال.
و أمّا الّذي يدلّ على أنّه تعالى يمدح بنفي الإدراك عن نفسه، فهو إجماع الأمّة؛ لأنّه لا خلاف بينها في ذلك، و إنّما اختلفوا في كيفية تمدّحه:
فقال قوم: إنّه تمدّح بنفي الإدراك عن نفسه، و الإدراك غير الرؤية.
و قال آخرون: إنّما تمدّح بنفي الرؤية عنه في الدنيا دون الآخرة.
و قال آخرون: إنّه تمدّح بنفي إدراك هذه الحاسة له، و ان صحّ أن يرى بحاسّة سادسة.
و قال أهل الحقّ: انه تمدّح بنفي الإدراك الذي هو الرؤية عن نفسه على كلّ وجه و في كلّ حال.
و هذا إجماع لا يقدح فيه خلاف من نعلمه أن يخالف فيه حادثا؛ لأنّ ذلك يقتضي استقرار إجماع على شيء من الأشياء.
على أنّ سياق الكلام، و ترتيب الآيات الثلاث إلى قوله تعالى: وَ هُوَ اَللَّطِيفُ اَلْخَبِيرُ ، يقتضي كون جميع ما تضمّنه الكلام من نفي و إثبات مدحا؛ لأنّ العادة لم تجر للعرب الذين خوطبنا بلسانهم، أن يتمدّحوا بخطاب على هذا النسق، و يحلّلوا بينه و بين ما لا يقتضي المدح و لا له مدخل فيه.
فأمّا الذي يدلّ على أنّه تعالى يمدح بما يرجع إلى ذاته، دون ما يكون أن يكون متفضّلا به، فهو أنّ الإدراك ليس بمعنى على ما دللنا عليه، فيصحّ أن يقال: إنّه تمدّح بألاّ يفعله على سبيل التفضيل، و لم يبق بعد ذلك ألاّ يكون التوجيه أنّه في نفسه على صفة يستحيل معها إدراكه، و ما تقتضيه ذاته لا يصحّ