نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٧٨ - سورة الأنعام
يجري مجرى التفضّل-سواء كان نفيا أو إثباتا-كان له أن لا يفعله من حيث كان تفضّلا، و إنّما يقبح أن لا يفعله من وجه آخر؛ لأنّه يكون كاذبا مع تقدّم الوعد، و هذا خارج عمّا نحن بسبيله.
على أنّا نفرض المثال بحيث لا شبهة فنقول: متى وعد بأنّه يتفضّل على زيد بالإحسان، جاز أن لا يتفضّل على عمرو بمثل ذلك، و لا يكون مذموما، و كذلك إذا وعد بأنّه لا يعاقب أحدا من الكفّار جاز أن يعاقب الجميع، و مثل هذا لا يجوز في الفعل الواجب، لا على طريق النفي و لا الإثبات. ألا ترى انّه لا يجوز أن يتمدّح بأنّه يفعل بزيد ما استحقّه من الثواب و لا يفعل مثل ذلك بسائر المستحقّين، فكذلك لا يجوز أن يتمدّح بأنّه لا يظلم زيدا و يظلم غيره، فقد تمّ غرضنا على كلّ حال في الفرق بين الأمرين.
فأمّا ما يتمدّح به تعالى فيما يرجع إلى ذاته فهو على ضروب ثلاثة:
تمدّح بإثبات على الحقيقة.
و تمدّح بما يجري مجرى الإثبات.
و تمدّح بما جرى مجرى النفي.
و على كلّ الوجوه لا يجوز انتفاء المثبت و لا إثبات المنفي، و لا تغيّر الحال في ذلك، فالإثبات الحقيقي كالوصف له بأنّه موجود باق، و ما يجري مجرى النفي كنحو تمدّحه تعالى بأنّه لاََ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لاََ نَوْمٌ [١] و بنفي الصاحبة و الولد، و يجري مجرى ذلك تمدّحه بأنّه لا مدرك بالأبصار، فلا فرق على ما ذكرناه بين من جوّز أن يرى في الآخرة، و بين من جوّز أن تأخذه سنة أو نوم، أو يتّخذ ولدا في بعض الأحوال.
فإن قيل: كلّ شيء أشرتم إليه فيما يقتضي انتفائه و إثباته النقص له معقول يقتضي ذلك فيه، و ليس في إثبات رؤيته تعالى وجه معقول يقتضي النقص،
[١] سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.