نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٧٤ - سورة الأنعام
اختصّت و زال عنها الاحتمال، و اختصّت بما تكون البصر آلة فيه، و هو الرؤية دون غيرها، و الذي يدلّ على ذلك أنّ أهل اللغة العربية لا يفصّلون بين قول أحدهم: «أدركت ببصري» و «رأيت ببصري» و «أحسست ببصري» ، و لأنّهم يصفون كلّ ما أطلقوا عليه أنّه مدرك بالبصر بأنّه مرئيّ بالبصر، و هذا واضح في تساوي معنى اللفظين.
و بعد، فلو كانت الرؤية غير الإدراك لوجب انفصالهما، فلو كان أحدنا لا يعقل لنفسه متى أدرك ببصره الشيء وراء حالة واحدة، و استحال أن يكون مدركا له ببصره و هو غير راء له، و أن يكون رائيا له و هو مدرك له ببصره، دلّ على أنّ المعنى في اللفظين واحد.
فإن قيل: ما أنكرتم أنّ الإدراك المنفيّ في الآية، إنّما هو الإحاطة التي لا تجوز إلاّ على الأجسام دون الرؤية؟
قلنا: هذه الألفاظ تبطل من وجوه:
أوّلها: ما قدّمناه من أنّ اللغة الّذين إليهم نرجع في معاني هذه الألفاظ، لا يفرّقون بين قول القائل «أدركت ببصري» و «رأيت و أحسست» ، فمن ادّعى أنّ الإدراك بمعنى الإحاطة، كمن ادّعى ذلك في الرؤية و الإحساس.
و ثانيها: انّ الإدراك لا يستعمل في موضع من المواضع بمعنى الإحاطة.
ألا ترى أنّهم لا يقولون: «أدرك السور المدينة» و «أدرك الجراب الدقيق» ، و إذا كان مع الإطلاق لا يريدون بلفظة «الإدراك» الإحاطة، فأحرى أن لا يريدوا ذلك مع التقييد بالبصر.
ثالثها: انّ الّذي نفاه تعالى عن نفسه من الإدراك في الآية الكريمة، هو الذي أثبته لها، و قد علمنا أنّه لم يرد بقوله تعالى: وَ هُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصََارَ الإحاطة، بل أراد الرؤية، فيجب أن يكون ما نفاه كذلك.
فإن قالوا: فلم أنكرتم أن يكون الإدراك بالبصر رؤية مخصوصة، و هي المتناولة للمرئيّ من جميع جهاته، و أن يكون إنّما نفي هذه الرؤية عن نفسه دون الرؤية المطلقة؟غ