نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٦٩ - سورة الأنعام
بما يخبر به، و الأخبار بما لا يأمن المخبر أن يكون كاذبا فيه قبيح؛ و في حال كمال عقله و لزوم النظر لا بدّ من أن يلزمه التحرّز من الكذب، و ما جرى مجراه من القبح.
قلنا: عن هذا جوابان:
أحدهما: أنّه لم يقل ذلك مخبرا، و إنّما قاله فارضا و مقدّرا على سبيل الفكر و التأمل، ألا ترى انّه قد يحسن من أحدنا إذا كان ناظرا في شيء و متأمّلا بين كونه على إحدى صفتيه، أن يفرضه على إحداهما لينظر فيما يؤدي ذلك الفرض إليه من صحة أو فساد، و لا يكون بذلك مخبرا في الحقيقة؟و لهذا يصحّ من أحدنا إذا نظر في حدوث الاجسام و قدمها أن يفرض كونها قديمة، ليتبيّن ما يؤدي إليه ذلك الفرض من الفساد.
و الجواب الآخر: أنّه أخبر عن ظنّه، و قد يجوز أنّه يظنّ المفكّر و المتأمّل في حال نظره و فكره ما لا أصل له، ثمّ يرجع عنه بالأدلّة و العقل، و لا يكون ذلك منه قبيحا.
فإن قيل: الآية تدلّ على أنّ إبراهيم عليه السّلام ما كان رأى هذه الكواكب قبل ذلك؛ لأنّ تعجّبه منها تعجّب من لم يكن رآها، فكيف يجوز أن يكون إلى مدّة كمال عقله لم يشاهد السماء و ما فيها من النجوم؟
قلنا: لا يمتنع أن يكون ما رأى السماء إلاّ في ذلك الوقت؛ لأنّه على ما روي كان قد ولدته أمّه في مغارة خوفا من أن يقتله النمرود، و من يكون في المغارة لا يرى السماء فلمّا قارب البلوغ و بلغ حدّ التكليف خرج من المغارة و رأى السماء و فكّر فيها، و قد يجوز أيضا أن يكون قد رأى السماء قبل ذلك إلاّ أنه لم يفكّر في اعلامها؛ لأنّ الفكر لم يكن واجبا عليه. و حين كمل عقله و حرّكته الخواطر فكّر في الشيء الّذي كان يراه قبل ذلك و لم يكن مفكّرا فيه.
و الوجه الآخر في أصل المسألة: هو أنّ إبراهيم عليه السّلام لم يقل ما تضمّنته الآيات على طريق الشك، و لا في زمان مهلة النظر و الفكر، بل كان في تلك