نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٤٥ - ضرّا أحسّت نباة من مكلّب
و الإضمار مع قوّة الدلالة أحسن من الإظهار، و أدخل في البلاغة و الفصاحة.
و أمّا بيان الوجه الثاني: فهو أنّا نعدل عن ظاهر الشرط فيما ولي الاتّقاء؛ من ذكر الإيمان و عمل الصالحات، و نجعله ليس بشرط و إن كان معطوفا على شرط، لأنّ العدول عن الظاهر بالأدلّة القاهرة واجب لازم مستعمل في أكثر القرآن؛ فكأنّه تعالى لمّا أراد أن يبيّن وجوب الإيمان و عمل الصالحات و تأكّد لزومه، عطفه على ما هو واجب لازم من اتقاء المحارم لاشتراكهما في الوجوب؛ و إن لم يشتركا في كونهما شرطا في نفي الجناح فيما يطعم؛ و هذا تفسّح و توسّع في البلاغة يحار فيها العقل استحسانا و استغرابا؛ و تعويل على أنّ المخاطب بذلك على إرساله و العدول عن تفصيله يضع كلّ شيء منه في موضعه؛ و كم في القرآن من هذه الغرائب في الفصاحة و العجائب و الحذوف و الاختصارات التي لا يتجاسر بليغ و لا فصيح على الإقدام عليها، و المرور بشعبها خوفا من الزلل و الخلل!.
و أمّا الجواب عن مشكل التكرار فالوجه فيه على الجملة أن نجعل الأحوال التي يقع فيها الاتقاء و الإيمان و عمل الصالحات مختلفة بمضيّ و استقبال، فيزول التكرار، أو نجعل المأمور به من الاتّقاء و الإيمان و عمل الصالحات مشروطا مخصوصا، يتناول الأوّل غير متناول الثاني، و الثاني غير متناول الأوّل؛ فيزول أيضا بذلك التكرار.
و قد أوّل المفسّرون على اختلافهم بكثير من الجملة التي أشرنا هاهنا إليها، و ذكروا أنّ الشرط الأوّل يتعلّق بالزمان الماضي، و الشرط الثاني متعلّق بالدوام على ذلك و الاستمرار على فعله، و الثالث مختصّ باتّقاء ظلم العباد.
و ذكر أبو عليّ الجبّائيّ هذا بعينه، و استدلّ على أنّ الاتّقاء الثالث يختصّ بظلم العباد بقوله تعالى: وَ أَحْسَنُوا ، و أنّ الإحسان إذا كان متعديا وجب أن يكون ما أمروا باتّقائه من المعاصي أيضا متعدّيا؛ و هذا ممّن اعتمده من