نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٨٩ - ضرّا أحسّت نباة من مكلّب
المراد و مالك الطاعة لا يكون إلاّ بمعنى الإمام؛ لأن الإمامة مشتقة من الإئتمام به و الائتمام هو الاتباع و الاقتداء و الانقياد، فإذا وجبت طاعته فلا بدّ من أن يستحقّ هذا المعنى.
و فيهم من استدلّ بذلك بأن قال: إنه صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال هذا القول، فلو لم يرد به الإمامة على ما نقول لكان بأن يكون محيّرا لهم و ملبسا عليهم أقرب من البيان و الحال حال بيان، فلا بدّ من حمله على ما ذكرناه، و ان يقال: إنّ القوم عرفوا قصده صلّى اللّه عليه و آله و سلم في ذلك؛ لأنّهم لو لم يعرفوا مراده في إثبات الإمامة بما يقول لكان قوله هذا خارجا عن طريقة البيان، و زعم أن الذي له قاله معروف بالتواتر، و إنما كتمه بعضهم و عدل عنه بغضا و معاداة» [١] .
يقال له: الوجه المعتمد في الاستدلال بخبر الغدير على النصّ هو ما نرتبه فنقول: إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم استخرج من امّته بذلك المقام الاقرار بفرض طاعته، و وجوب التصرّف بين أمره و نهيه، بقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم: «ألست أولى بكم منكم بأنفسكم؟» و هذا القول و إن كان مخرجه مخرج الاستفهام فالمراد به التقرير، و هو جار مجرى قوله تعالى: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ [٢] فلما أجابوه بالاعتراف و الاقرار رفع بيد أمير المؤمنين عليه السّلام و قال عاطفا على ما تقدّم: «فمن كنت مولاه فهذا مولاه» و في روايات أخرى «فعليّ مولاه اللهمّ وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله» فأتى عليه السّلام بجملة يحتمل لفظها معنى الجملة الأولى التي قدّمها و إن كان محتملا لغيره، فوجب أن يريد بها المعنى المتقدّم الذي قرّرهم به على مقتضى استعمال أهل اللغة و عرفهم في خطابهم، و إذا ثبت أنه صلّى اللّه عليه و آله و سلم أراد ما ذكرناه من إيجابه كون أمير المؤمنين عليه السّلام أولى بالإمامة من أنفسهم، فقد أوجب له الإمامة؛ لأنّه لا يكون أولى بهم من أنفسهم إلاّ فيما يقتضي فرض طاعته عليهم، و نفوذ أمره و نهيه فيهم، و لن يكون كذلك إلاّ من كان إماما.
فإن قال: دلّوا على صحة الخبر، ثم على أن لفظة «مولى» محتملة لأولى،
[١] المغني، ٢٠: ١٤٤.
[٢] سورة الأعراف، الآية: ١٧٢.