موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ٩٠ - حكاية مليئة بالعبر
لأداء فريضة الحج، فشاهد قوافل الإبل لا تنقطع عن حمل كل أنواع الفواكه و الثمار إلى تلك البلدة المقدسة ليل نهار، فاعتراه العجب و التأمل.
و جلس الرجل الشامى فى ركن يتعجب و يتفكر فيما بينه و بين نفسه عاجزا عن تفهم هذا الأمر. و قال لنفسه: «لا بد أن وراء هذا الأمر العجيب سرّا، فرغم ما تحفل به بلاد الشام من حدائق و بساتين فى كل أطرافها، و مع هذا لا يتوفر فيها هذا القدر من الفواكه، بل من المحال أن يرى فى الشام دابة تحمل فاكهة فى أحد الشوارع بعد وقت الضحى، يبدو أن حدائق هذه البلدة و غاباتها و بساتينها تفوق حدائق و غابات و بساتين ولايتنا «الشام» و بعد أن أمعن فى التفكير فى هذا الأمر فترة طويلة خرج خارج المدينة بغرض مشاهدة بساتين هذا البلد الإلهى حسبما صور له خياله و ذلك ليتحقق من صدق النتيجة التى انتهى إليها تفكيره، لكنه لم ير حول المدينة سوى جبال عارية جرداء، فازداد حيرة و تعجبا و استغرق فى التفكير و طاف من جبل إلى جبل حائرا حتى دخل المساء، فأقام حيثما كان، وراح فى النوم، ثم استيقظ فجأة و كان الوقت فجرا، و إذا به يرى حوله مجموعة من الجمالين يحملون إبلهم أحجارا.
اندهش الرجل الشامى و اعترته الحيرة لما رآه من تصرف هؤلاء الجمالين الذين صعدوا إلى الجبال فى هذه الظلمة الدامسة، و أخذوا فى تحميل إبلهم الحجارة.
و بعد فترة وجيزة عاد الجمالون، و سار الرجل فى أعقابهم و استمر الجمالون فى السير إلى أن وصلوا إلى المدينة الشهيرة مكة الله.
و أنزلوا أحمال إبلهم و وزعوها على أصحاب الحوانيت و بدءوا فى جمع ثمنها من النقود، و إذا بالأحجار المحمولة على ظهور الإبل كانت نوعا من الفواكه اللذيذة الطعم.
و ظن الشامى أن ما جمعه الجمالون من الجبل و حملوا ظهور إبلهم أحجارا لم يكن سوى أنواع من الفاكهة ذات المذاق الطيب التى تثير بمذاقها الطيب تعجب الإنسان. عند ما رأى هذا تذكر الآيات الجليلة: أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى