موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ١٨٠ - رباعية
فى الليلة تركت (أدنى ابنة نمرة) إبراهيم (عليه السلام)- فى الغار، ذهبت إليه و هى تردد سرا يا ترى كيف حال فلذة كبدى ألا أذهب إليه ثانية لأرى ما إذا كان حيا فأرضعه، و قد وجدته على قيد الحياة، فأرضعته و رجعت.
و كان جبريل الأمين قد قطع حبل سرة سيدنا إبراهيم، و ألبس على ظهره حلة بيضاء و أذن فى أذنه و أجرى الأصول الإسلامية المعتادة.
ولدى مجئ أم سيدنا إبراهيم كان- (عليه السلام)- يضع أصابعه فى فمه و يرضع منها و كان يقطر من أحد أصابعه عسل و من الآخر ماء و من الثالث سمن، و من الرابع لبن، و من الخامس لبن التمر. و تعجبت الأم من هذا الحال و سعدت به.
و كانت تذهب دائما إلى الغار المذكور لإرضاع ابنها، لكنها اجتهدت فى كتم ما يحدث و إخفائه حتى عن زوجها آزر.
أما سبب هذا التكتم و الإخفاء، فقد كان لسلوك آزر غير المناسب، فعند ما علم بحمل زوجته- بدافع من إخلاصه للنمرود- فقرر تسليم المولود إذا كان غلاما للنمرود، و أخذ من زوجته عهدا و ميثاقا في هذا الشأن.
أما زوجته و بدافع من طبيعتها كامرأة، فقد اتبعت آزر و عقدت معه هذا العهد، و لكنها ندمت بعد ذلك و أخذت تفكر تفكيرا عميقا و تحدث نفسها قائلة:
يا ترى كيف يمكننى أن أجد حلا لهذا الأمر؟ و كيف يمكننى أن أخلص فلذة كبدى- إذا جاء غلاما- من يد آزر.
و لعلمها بمدى محبة آزر لها و ميله نحوها، و لتأمن أيضا من قتل وليدها إذا جاء غلاما من قبل أبيه، أخذت تحدث نفسها عند ما اقترب أوان وضع حملها قائلة و إننى إذا وضعت غلاما فإنه سيقتل ساعة ولادته و هذا سيؤدى لفرط عطفى عليه و شدة حبى له لقتل نفسى و لا شك فى ذلك. و بدلا من التعرض لمخاطرة كهذه أقول فبحق الحب السائد بيننا أن تتجه إلى آلهتك و ترجوهم ساجدا ألا أضع غلاما بل أنثى «و هكذا أرسلت آزر [١] إلى دار الأصنام معبد آلهتهم، بينما ذهبت
[١] كان هدف أدنى بنت نمرة من هذه الحيلة أن تحفظ مولد سيدنا إبراهيم بعيدا عن أبيه آزر و إنها كانت حيلة فى محلها.