تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٤٥ - ذكر بقية خبر تبع ايام قباذ و زمن انوشروان و توجيه الفرس الجيش الى اليمن لقتال الحبشه و سبب توجيهه إياهم إليها
ارى، و معى من ترى! لقد غررت بنفسك و أصحابك، فان احببت أذنت لك، فرجعت الى بلادك و لم اهجك، و لم ينلك و لا أحدا من أصحابك منى و لا من احد من اصحابى مكروه، و ان احببت ناجزتك الساعة، و ان احببت اجلتك حتى تنظر في امرك، و تشاور أصحابك.
فأعظم وهرز امرهم، و راى انه لا طاقه له بهم، فأرسل الى مسروق: بل تضرب بيني و بينك أجلا، و تعطيني موثقا و عهدا، و تأخذ مثله منى، الا يقاتل بعضنا بعضا حتى ينقضي الأجل، و نرى رأينا.
ففعل ذلك مسروق، ثم اقام كل واحد منهما في عسكره، حتى إذا مضى من الأجل عشره ايام، خرج ابن وهرز يسير على فرس له، حتى دنا من عسكرهم، و حمله فرسه، فتوسط به عسكرهم، فقتلوه- و وهرز لا يشعر به- فلما بلغه قتل ابنه ارسل الى مسروق: قد كان بيني و بينكم ما قد علمتم، فلم قتلتم ابنى؟ فأرسل اليه مسروق: ان ابنك حمل علينا، و توسط عسكرنا، فثار اليه سفهاء من سفهائنا، فقتلوه، و قد كنت لقتله كارها قال وهرز للرسول: قل له: انه لم يكن ابنى، انما كان ابن زانية، و لو كان ابنى لصبر و لم يغدر حتى ينقضي الأجل الذى بيننا ثم امر فرمى به في الصعيد حيث ينظر الى جثمانه، و حلف الا يشرب خمرا، و لا يدهن راسه حتى ينقضي الأجل بينه و بينهم.
فلما انقضى الأجل الا يوما واحدا، امر بالسفن التي كانوا فيها فاحرقت بالنار، و امر بما كان معهم من فضل كسوه فاحرق، و لم يدع منه الا ما كان على اجسادهم، ثم دعا بكل زاد معهم فقال لأصحابه: كلوا هذا الزاد، فأكلوه، فلما انتهوا امر بفضله فالقى في البحر، ثم قام فيهم خطيبا، فقال:
اما ما حرقت من سفنكم، فانى اردت ان تعلموا انه لا سبيل الى بلادكم ابدا، و اما ما حرقت من ثيابكم، فانه كان يغيظنى ان ظفرت بكم الحبش ان يصير