تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٠١ - ذكر ملك كسرى انوشروان
بلادهم الا ما كان كسرى غلب عليه منها، و انه استمال ابخز، و بنجر، و بلنجر، فمنحوه طاعتهم و اعلموه ان ملوك فارس لم يزالوا يتقونهم بفداء يكفونهم به عن غزو بلادهم، و انه اقبل في مائه الف و عشره آلاف مقاتل حتى شارف ما والى بلاد صول، و ارسل الى كسرى في توعد منه اياه و استطاله عليه، ان يبعث اليه باموال، و الى ابخز و بنجر و بلنجر بالفداء الذى كانوا يعطونه اياه قبل ملك كسرى، و انه ان لم يعجل بالبعثه اليه بما سال وطيء بلاده و ناجزه فلم يحفل كسرى بوعيده، و لم يجبه الى شيء مما ساله لتحصينه كان ناحيه باب صول، و مناعه السبل و الفجاج التي كان سنجبوا خاقان سالكها اياه، و لمعرفته كانت بمقدرته على ضبط ثغر أرمينية بخمسه آلاف مقاتل من الفرسان و الرجاله.
فبلغ سنجبوا خاقان تحصين كسرى ثغر صول، فانصرف بمن كان معه الى بلاده خائبا، و لم يقدر من كان بإزاء جرجان من العدو- للحصون التي كان امر كسرى فبنيت حواليها- ان يشنوها بغاره، و يغلبوا عليها، و كان كسرى انوشروان قد عرف الناس منه فضلا في رايه و علمه و عقله، و بأسه و حزمه، مع رأفته و رحمته بهم، فلما عقد التاج على راسه دخل اليه العظماء و الاشراف فاجتهدوا في الدعاء له، فلما قضوا مقالتهم، قام خطيبا، فبدا بذكر نعم الله على خلقه عند خلقه إياهم، و توكله بتدبير أمورهم، و تقدير الأقوات و المعايش لهم، و لم يدع شيئا الا ذكره في خطبته، ثم اعلم الناس ما ابتلوا به من ضياع أمورهم، و إمحاء دينهم، و فساد حالهم في أولادهم و معاشهم، و اعلمهم انه ناظر فيما يصلح ذلك و يحسمه، و حث الناس على معاونته.
ثم امر برءوس المزدكية فضربت أعناقهم، و قسمت أموالهم في اهل الحاجة، و قتل جماعه كثيره ممن كان دخل على الناس في أموالهم، و رد الأموال الى أهلها، و امر بكل مولود اختلف فيه عنده ان يلحق بمن هو منهم، إذا لم