جامع المقاصد في شرح القواعد - المحقق الثاني (المحقق الكركي) - الصفحة ٨٠ - الفصل الثاني في الأحكام
..........
جنى عليه كذلك: فأما أن يقتص الموقوف عليه الموجود، أو يعفو، أو يرضى بالفداء.
فإن أراد القصاص كان له كذلك، لأنه المستحق الآن، فإذا اقتص فقد استوفى الحق.
و إن عفى فهل لمن بعده من البطون الاستيفاء؟ فيه وجهان، أقربهما عند المصنف ذلك إن لم تكن الجناية نفسا. و وجه القرب: ان الحق في الوقف لا يختص بالبطن الأول، فإذا عفى فإنما يسقط استحقاقه دون حق باقي البطون. و يحتمل أن لا يكون لهم ذلك للسقوط بعفو الأول حين كان الحق منحصرا فيه، و ضعفه ظاهر مما سبق.
و هذا إذا لم تكن الجناية نفسا، فإن كانت فالمفهوم من العبارة انه ليس لهم ذلك. و وجهه انه إذا جنى على نفس الموقوف بطل الوقف لفوات محله فبطل حق باقي البطون، بخلاف ما إذا لم يكن نفسا، لبقاء الوقف ببقاء محله، و ليس بشيء، لاستواء النفس و ما دونها في بطلان الوقف في الفائت منهما، على أن هذا الفرق لو تم لكان لازما للمصنف مقتضاه فيما لو أوجبت الجناية ما لا بغير تفاوت، و الأصح ان لهم الاستيفاء مطلقا.
إذا تقرر ذلك، فما الذي يستوفونه أ هو المال أم القصاص؟ المتبادر من عبارة المصنف هو الثاني، و وجهه: ان الحق للبطون و إن كان للموجودين حق المطالبة و الاقتصاص، فإذا عفوا بطل حقهم خاصة دون أصل الحق.
و حكى الشارح الفاضل قولا آخر بأن لهم المطالبة بالدية [١] و رجّحه تغليبا للعفو، و هو محتمل، و في الأول قوة، و في الثاني أيضا قوة، لأن له أن يعفو على مال و العفو مبني على التغليب، و إن كان لقائل أن يقول إن هذا عفو غير صحيح، أما العفو
[١] إيضاح الفوائد ٢: ٣٩٦.