جامع المقاصد في شرح القواعد - المحقق الثاني (المحقق الكركي) - الصفحة ٤٧ - و أما الموقوف عليه
..........
و إن أمكن تكلّف حمل قوله: (فإنّه لا ينصرف الى مصالح أهل الذمّة) على أنّه لا يصرف الى مطلق مصالحهم، بل الى ما يعد من مصالحهم معصية لكن في قوله:
(و لو وقف على البيع و الكنائس.) تكرار لا فائدة فيه، لأنّ المنع من ذلك قد استفيد من قوله: (بخلاف الوقف على البيع) لأنّ المتبادر منه أنّ مخالفته لما قبله في عدم الصحة، إذ لو حمل على أنّ المراد: المخالفة باعتبار أنّه لا ينصرف الى مصالح أهل الذمّة لكان كلاما مع فساده عريا عن الفائدة، لأنّ البحث عن انصرافه الى مصالحهم و عدمه هاهنا إنّما هو بفرض صحة الوقف و فساده.
و أمّا الوقف على معونة الزناة و قطاع الطريق، أو على كتبة التوراة و الإنجيل، و نحو ذلك فإنّه فاسد، لأنّ ذلك كله محرّم، لأنّ الإعانة على فعل المعصية معصية، و من شرط صحة الوقف كونه قربة، و أمّا التوراة و الإنجيل فإنّهما منسوخان، محرّفان، فيحرم كتبهما و النظر إليهما، و قد روى العامة أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم خرج الى المسجد فرأى في يد عمر صحيفة فيه شيء من التوراة فغضب النبي صلي اللّه عليه و آله و سلّم لمّا رأى الصحيفة في يد عمر و قال له: «أ في شك أنت يا ابن الخطاب؟
أ لم آت بها بيضاء نقية؟ و لو كان أخي موسى حيا لما وسعه إلّا اتباعي» [١] و لو لا أن ذلك معصية ما غضب منه.
قال الشيخ: إنّ العلّة في التحريم إنّهما محرّفان، لأنّ النسخ لا يذهب بحرمتهما كالمنسوخ من القرآن، و قال و هذا لا خلاف فيه [٢] و يشكل بأنّ في كتبهما فساد آخر لمخالفة الملتين لملتنا بخلاف منسوخ القرآن، و قد سبق في البيع جواز حفظهما و غيرهما من كتب الضلال لغرض النقض و الحجة، فلا مانع من جواز الوقف على ذلك، و لم يذكروه.
[١] نقله ابن قدامة في المغني ٦: ٢٦٨.
[٢] المبسوط ٣: ٢٩٥.