الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٤٩
يطول شرحها فكما أن الطبيعة للأجسام على وجه التسخير ربما شوقت [ساقت] إلى ما ليس بتمام للجسم الطبيعي لعلل تحدث و آفات تطرأ عليه بمنزلة من يشتاق إلى أكل الطين و ما جرى مجراه مما لا يكمل طبيعة الجسد بل يهدمه و يفسده كذلك أيضا النفس الناطقة ربما اشتاقت إلى علم و تميز لا يكمله و لا يسوقه نحو سعادته بل يحركه و يسوقه إلى الأشياء التي تعوقه و تقصر به عن كماله.
فحينئذ يحتاج إلى معالجة نفسانية يرشده إليها طبيب روحاني من نبي هاد- أو شيخ مرشد أو أستاد معلم كما احتاج في الحالة الأولى إلى طبيب جسماني يرشده إلى طبيب طبيعي و لذلك يكثر حاجات الناس إلى الأنبياء ع و المعلمين و المؤدبين فإن وجود تلك الطبائع الفائقة التي يستكفي بذاتها من غير توفيق إلى السعادة الحقيقية نادر لا يقع إلا في الأزمنة الطوال و المدة البعيدة.
فإذا وقع أحد منها كان وجوده بمحض موهبة الله عز و جل لأسباب سفلية و تعملات إرادية و ترقيات كسبية فكان زيت نفسه في فتيلة طبيعية تكاد تضيء و لو لم تمسسه نار التأديب و الفكر و الرئاضة و كان نور الله في ظلمات الأرض و آية عظيمة من آياته كما قال تعالى قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ و نحن بصدد إثباته بالبرهان فيما بعد إن شاء الله.
و غرضنا في هذا الفصل الإشارة إلى أن الوجود كله من أعلاه إلى أسفله و من أسفله إلى أعلاه في رباط واحد مرتبط به بعضه إلى بعض متصل بعضه ببعض و الكل مع كثرتها الخارجية متحدة و اتحادها ليس كاتصال الأجسام بأن يتصل نهاياتها و يتلاقى سطوحها و العالم كله حيوان واحد بل كنفس واحدة و قواه الفعالة كالعقول و النفوس و غيرهما كقوى نفس واحدة فإن قوى النفس عند البصير المحقق متحدة الكثرة لا كما رآه قوم أنها آلات النفس متباينة الوجود متفاضلة الذوات و لا كما رآه قوم آخرون من أنها واحد الذات كثيرة المواضع و الآثار و سيأتي تحقيق ذلك في علم النفس.