الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٤٧
يعمل عملا فيعمل مثله من غير أن يحوج الإنسان إلى تعب بها و رئاضة لها.
و هذا غاية أفق الحيوان الذي إن تجاوزها و قبل زيادة يسيرة خرج بها عن أفقه و صار في أفق الإنسان الذي يقبل العقل و التميز و النطق و الآلات التي يستعملها و الصورة تلائمها فإذا بلغ هذه المرتبة تحرك إلى المعارف و اشتاق إلى العلوم و حدثت له قوى و ملكات و مواهب من الله عز و جل يقتدر بها على الترقي و الإمعان في هذه الرتبة كما كان ذلك في المراتب الأخر التي ذكرناها و أول هذه المراتب في الأفق الإنساني المتصل بآخر ذلك الأفق الحيواني من مراتب الإنسان للذين يسكنون في أقاصي المعمورة من الشمال و الجنوب كأواخر الترك من بلاد يأجوج و مأجوج- و أواخر الزنج و أشباههم من الأمم التي لا يتميز عن القردة إلا بمرتبة يسيرة ثم يتزايد فيهم قوة التميز و الفهم إلى أن يصيروا إلى حال من يكونون في أوساط الأقاليم فيحدث فيهم الذكاء و سرعة قبول الفضائل.
و إلى هذا الموضع ينتهي فعل الطبيعة التي وكلها الله تعالى بالموجودات المحسوسة عند الجماهير من الحكماء و أما عندنا فإلى أوائل أفق الحيوان ينتهي- فعل الطبيعة و الأكوان المحسوسة المادية و من هناك يبتدىء فعل النفس و الأكوان الخيالية الصورية المجردة عن هذا العالم المادي المستحيل الكائن الفاسد حتى يبلغ إلى هذا الموضع و من هاهنا يقع الشروع في اكتساب الفضائل الزائدة على فضائل الحيوان بما هو حيوان و اقتناء العقليات بالإرادة و السعي و الاجتهاد حتى يصل إلى أفق الملإ الأعلى و الملائكة العلويين و هذه أعلى مرتبة الإنسان بما هو إنسان و عندها يتأحد الموجودات و يتصل أولها بآخرها و آخرها بأولها و هو الذي يسمى دائرة الوجود و نصفها الأول قوس النزول و نصفها الآخر قوس الصعود لأن الدائرة هي التي قيل في حدها إنها خط واحد يبتدىء بالحركة من نقطة و ينتهي بها إلى تلك النقطة بعينها.
فدائرة الوجود هي المتأحدة المتصلة حدودها و قسيها بعضها ببعض التي جعلت