الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٤٦
فيه قوة الغضب الذي ينهض بها إلى دفع ما يؤذيها فيعطى من السلاح بحسب قوتها فإن كانت قوته الغضبية شديدة كان سلاحه قويا و إن كانت ناقصة كان ناقصا و إن كانت ضعيفة جدا لم يعط سلاحا البتة بل يعطى آلة الهرب فقط كشدة العدو و القدرة على الحيل التي تنجيه من مخاوفه.
و أنت ترى ذلك عيانا من الحيوان الذي أعطي القرون التي تجري مجرى الرماح و الذي أعطي آلة الرمي تجري مجرى النبل و النشاب الذي أعطي الأنياب و المخاليب التي تجري مجرى السكاكين و الخناجر و الذي أعطي الحوافر التي تجري مجرى الدبوس و الطبر و أما ما لم يعط سلاحا لضعفه عن استعماله أو لقلة شجاعته و نقصان قوة غضبه و لأنه لو أعطيه لصار كلا عليه فقد أعطي آلة الهرب و الحيل بجودة العدو و الخفة و قوة الطيران كالغزلان و الحيتان و الطيور أو المراوغة كالأرانب و الثعالب و أشباهها و إذا تصفحت أحوال الموجودات من السباع و الوحوش و الطيور رأيت هذه الحكمة مستمرة فيها.
فأما الإنسان فقد عوض عن هذه الآلات كلها بأن هدي إلى اتخاذها و استعمالها كلها و سخرت له هذه كلها و سنتكلم في ذلك في موضعه الخاص فنعود إلى ذكر مراتب الحيوان فنقول- إن ما اهتدى منها إلى الازدواج و طلب النسل و حفظه و تربيته و الإشفاق عليه بالكن و العش و الكناس [النكاس] كما نشاهد فيما يلد و يبيض و تغذيته إما باللبن و إما بنقل الغذاء إليه فإنه أفضل مما لا يهتدي إلى شيء ثم لا يزال هذه الأحوال تتزايد في الحيوان- حتى يقرب من أفق الإنسان فحينئذ يقبل التأديب و يصير بقبوله الأدب ذا فضيلة يتميز بها من سائر الحيوانات الأخر ثم تتزايد هذه الفضيلة في الحيوانات حتى يتشرف بها ضروب أشرف كالفرس المؤدب و البازي المعلم و الكلب المفهم ثم يصير في هذه المترتبة إلى مرتبة الحيوان الذي يحاكي الإنسان من تلقاء نفسه و يتشبه به من غير تعليم و تأديب كالقردة و ما أشبهها و تبلغ من كمال ذكائها إلى أن يكتفي في التأديب بأن يرى الإنسان