الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٢١
و البعد لا سبيل إلى الأول لما تبين في موضعه أن كل تأثير و تأثر جسماني فهو متوقف على نسبة وضعية مخصوصة بين المؤثر و المتأثر فبقي الثاني.
فنقول حينئذ إذا لم يكن النسبة بينهما بالملاقاة فلا بد أن يكونا على ضرب من المحاذاة و البعد فحينئذ إن كان بين المسخن و المتسخن مثلا جسم فلا يخلو إما أن يتسخن المتوسط قبل أن يتسخن المنفعل المفروض أو لم يتسخن و الثاني باطل لأن أثر التسخين لا يصل إلى الأبعد إلا بعد وصوله إلى الأقرب ضرورة و الأول يوجب المطلوب- لأن المتوسط لو لم يكن ملاقيا للمسخن كان بينهما متوسط آخر و ننقل الكلام إلى متوسط آخر حتى ينتهي إلى المتوسط الملاقي و إن كان ملاقيا فالتسخين لا يحصل أولا من المسخن إلا للجسم الملاقي ثم إلى ملاقي الملاقي بتوسط الملاقي.
فظهر أن كل تأثير و تأثر طبيعي لا يكون إلا بالتماس و التلاقي.
هذا تقرير ما ذكره الشيخ في طبيعيات الشفاء و اعترض عليه الإمام الرازي- بأن هذا يناقض ما ذكره في الفصل السابع من المقالة الثالثة من علم النفس منها حيث قال في جواب من أنكر تأدي أشباح المبصرات في الهواء من غير أن يتكيف الهواء- بأنه ليس بينا بنفسه و لا ظاهرا أن كل جسم فاعل يجب أن يكون ملاقيا للملموس- فإن هذا و إن كان موجودا استقراء في أكثر الأجسام فليس واجبا ضرورة بل يجوز أن يكون أفعال أشياء في أشياء من غير ملاقاة فيكون أجسام تفعل بالملاقاة و أجسام تفعل لا بالملاقاة.
و ليس يمكن أن يقيم أحد برهانا على استحالة هذا و لا أنه يجب أن يكون بين الجسمين نسبة و وضع خاص بل يجوز أن يؤثر أحدهما في الآخر من غير ملاقاة إنما يبقى ضرب من التعجب كما أنه لو كان اتفق أن كانت الأجسام كلها يفعل بعضها في بعض بمثل تلك النسبة المباينة و كان إذا اتفق أن شوهد فاعل يفعل بالملاقاة تعجب منه كما تعجب الآن من مؤثر بغير ملاقاة فإذا كان هذا غير مستحيل في أول العقل و كان صحة مذهبنا المبرهن عليه يوجبه و كان لا برهان البتة ينقضه.