الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢١٦
عجزت العقلاء الذين جاءوا من بعده عن إدراك هذه المثل النورية على وجهها و التصديق بوجودها ما خلا المعلم الأول ربما مال إلى صحة القول بها في بعض كتبه- و أنكرها في الأكثر و كأنها يرى في الإنكار مصلحة و قد مر في هذا الكتاب ما فيه غنية للمستبصرين.
و منها الإشارة منه إلى أن هذه الصور الحسيات و الأكوان الداثرات راجعة إلى تلك العقليات صائرة إليها متحدة بها كاتصال الأشعة الشمسية بالشمس و كاتصال حواسنا بعقولنا مع أن إحداهما داثرة و الأخرى باقية و كاتصال البدن بالنفس حتى صار وجوده وجودها و فعله فعلها مع أن البدن متحلل بتحليل الحرارة الغريزية- و غيرها و النفس ثابتة و ذلك لاستدلاله بالخوف و الرجاء الثابتين لبعض الصور الحسيات على بقائها من جهة اتصالها بالجواهر العقليات الباقيات عند الله فعلم أن لها نشأتين داثرة حسية و باقية عقلية.
و بالجملة إنه قدس الله روحه أخذ الوسط في البرهان على دثورها و زوالها من جهة إثبات الغاية الذاتية لها كما فعلنا سابقا و هو أحد المناهج التي سلكناها في إثبات حدوث الأجسام و من أوثق البراهين أخذ الحد الأوسط من غاية الشيء.
و منها أن تلك الصور العقلية هي بعينها صفات الله و علومه التابعة لوجوده مع أن علوه و مجده بذاته لذاته لا لتلك الصور و لا يلزم من ذلك تعدد القدماء و لا استكماله تعالى بغير ذاته الأحدية الصمدية لأنها ليست موجودات مستقلة مباينة الوجود عن وجود الحق و لا متميزة الإنية عن الإنية الأولى.
و ذلك لأنك قد علمت أنها مطموسة مقهورة تحت جبروته مستهلكة الذوات تحت كبريائه فانية عن ذاته باقية ببقاء الله.
و لهذا المعنى قال الشيخ اليوناني ليس للمبدع الحق صورة و لا حلية فيه و لا قوة لكنه فوق كل صورة و حلية و قوة لأنه مبدعها و قال و ليس المبدع الأول شيئا من الأشياء و هو جميع الأشياء لأن الأشياء منه.