الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٤٨
الكثرة فيها وحدة و هي التي تدل دلالة صادقة برهانية على وحدانية موجدها و مبدعها و حكمته و قدرته و كرمه و جوده تبارك اسم ربك ذي الجلال و الإكرام لأن دار الوجود إذا كانت واحدة فبانيها لا يكون إلا واحدا و الله من ورائهم محيط و أنت إذا تصورت قدر ما أومأنا إليك و فهمت اطلعت على الحالة التي خلقت لها و ندبت إليها و عرفت الأفق الذي يتصل بأفقك و الذي يحركك و ينقلك في مرتبة بعد مرتبة و يصعد بك طبقا عن طبق فحدث لك الاعتقاد الصادق و الإيمان الصحيح بنشأتك الباقية و شهدت ما غاب عن عينيك و بلغت إلى أن تتدرج إلى العلوم الشريفة التي اكتسبت إلى الآن بعض مباديها و ما هو كالآلات في تحصيلها أو تقويم الفهم و تشحيذ الذهن و تقوية العقل الغريزي و تصل إلى معرفة الخلائق و طبائعها و منها إلى العلوم الإلهية و حينئذ تستعد لمواهب الله عز و جل و عطاياه و يأتيك الفيض الإلهي و السكينة- فتسكن عن قلق الطبيعة و حركاتها نحو الأغراض النفسانية و تلحظ طبقات الأكوان- و تحيط بالمراتب التي ترقيت فيها شيئا فشيئا و تقلبك في الساجدين من منازل الموجودات.
و علمت أن كل مرتبة منها محتاجة إلى ما قبلها في وجودها و إذا وصلت الطبيعة إلى التي بعدها بأعداد التي قبلها صارت موجبة لما قبلها على وجه آخر و علمت أن الإنسان لا يتم له كماله إلا بعد أن يحصل له جميع ما قبله و أنه إذا حصل كاملا و بلغ غاية أفقه أشرف نور الأفق الأعلى الإلهي إليه فتصير إما حكيما إلهيا يأتيه الإلهامات فيما يتصرف فيه من التصورات العقلية و الأحكام العلوية و إما نبيا مؤيدا يأتيه الوحي على سبيل المشاهدة لقوة باطنه فيصير حينئذ واسطة بين الملإ الأعلى و الملإ الأسفل و مبدأ هذه الترقيات و التحولات التي تختص بالإنسان هو الشوق و الإرادة فإن الشوق إلى اقتناء العلوم و المعارف ربما ساق الإنسان على منهاج قويم و قصد صحيح فيتأدى به إلى غاية كماله و هي السعادة التامة.
لكن ربما أعوج به عن السمت المستقيم و السنن القويم و ذلك لأسباب كثيرة