الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٩٧
سر آخر
قد انكشف لك مما شددنا عليك بيانه و أوضحنا برهانه أن الطبيعة الجسمانية فلكية كانت أو عنصرية مما يتلاشى و يضمحل شيئا فشيئا و لو نظرت إلى أحوال نفسك و كل ذي نفس ظهر لك أن شأن ما يتصرف فيه النفس من الطبائع و القوى و الأجرام أن تذوب و تذبل و يتحلل ذاتها و صفاتها على التدريج في خدمة النفس و طاعة الآمر الأعلى.
و هكذا شأن كل سافل بالنسبة إلى العالي و دأب كل فرع بالنظر إلى أصله- و كل معلول بالقياس إلى علته.
ثم لو تأملت قليلا لوجدت أن النفس التي وقعت لها أدنى ارتفاع عن مقام الطبيعة و درجة الحس فهي غير راضية في الكون مع الطبيعة و لا مشتاقة في الرجوع إليها لأنها مجبولة في محبة البقاء و التفاخر على أتم الحالات و لو لم يكن ذلك مقتضى غريزة كل نفس لما كانت كل واحدة من النفوس البشرية بل الحيوانية يشتهي أن يكون أمير نوعه و سلطان بلده و رئيس أهله.
و هذا شيء مركوز في جبلة كل ذي نفس أعني الارتقاء إلى مرتبة العقل و اشتياقها إليه أكثر من اشتياقها إلى مرتبة الحس و الطبيعة و سائر الأشياء الدنية و الشهوات الحسية إن لم يعقها عائق و لم يخرجها مخرج عن فطرتها الأصلية إلى فطرة الطبيعة و ما دونها.
فإذا كانت النفس سليمة الفطرة غير مريضة كان شوقها إلى ما فوقها إذ كانت معالي الأمور أشبه إليها كما أن سفسافها و نقائصها أشبه بالطبيعة فالنفس إذن مجتهدة دائما في طلب البقاء كارهة من التجدد و الزوال و البقاء كما علمت ليس من صفات الطبيعة و هو من صفات العقل.
فبهذا الاجتهاد الغريزي إذا وصلت إلى مرادها و هو مقام العقل تخلت عن الطبيعة و اتحدت بالعقل.