الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٩٨
و قد علمت أيضا فيما مضى صحة اتحاد النفس بالعقل و ليس أن النفس إذا انفصلت عن الطبيعة بقيت للطبيعة هوية منفصلة عن هوية النفس لأن هذا من سخيف القول كما مر بيانه غير مرة فإذا ارتحلت النفس عن مقام الطبيعة بطلت الطبيعة و دثرت لأن قيامها بالنفس كما أن قوام النفس بالعقل و قوام الكل بالحي القيوم و لأجل أن قوام الطبيعة بالنفس و كأنها كانت تحس بالفناء و الاضمحلال دون النفس صارت جذابة للنفس إليها و متروقة في عينها حائلة بينها و بين تقدسها و طهارتها و اتصالها بالعقل مخافة أن يبطل و يضمحل.
و هذا أيضا لحكمة و مصلحة من الله في اشتغال النفس برهة من الزمان- لتدبير عالم الطبيعة إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا فإذن قد ثبت بالبرهان المأخوذ- من العلة الغائية أن جميع عالم الطبيعة داثر هالك.
وهم و تعليم.
و لك أن تقول لم وجب الدثور و الفناء للطبيعة و كيف لا يلتحق بمنزلة النفس- كما يلتحق النفس بمنزلة العقل قلت قد علمت ذلك فيما سبق و أما البيان اللمي لذلك فهو أن النفس حيث كانت ذات جهتين لأنها من جهة ذاتها كأنها جوهر عقلي ثابت بالقوة و من جهة تعلقها بالطبيعة و نسبتها إليها جوهر متجدد غير ثابت و هاتان الجهتان مما يشبه أن يكون إحداهما مقومة للنفس داخلة في قوامها لأنها الجنبة العالية- و الأخرى لاحقة لذاتها و هي الجنبة السافلة المضافة إلى أمر متجدد.
فإذا سقطت عنها هذه الإضافات رجعت إلى منبعها الأصلي و حيزها العقلي و أما الطبيعة فهي سارية في أقطار الهاوية نائية عن عالم البقاء و النور متخلصة إلى محل التجدد و الدثور فهي لاهية عن الأمور العقلية غير عارفة بها و لا مشتاقة إليها فلا يمكنها اللحوق بعالم البقاء و بما فيها من الجهة العقلية النوعية فحكمها حكم سائر المعاني النوعية.