الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٩٦
سر آخر في تلاشي عالم الطبيعة و دثوره و فنائه.
إن أصل اللذات الحسية و الأنوار و الألوان المبتهجة و الروائح و الطعوم اللذيذة و الأصوات المطربة كلها الموجودة في الطبيعة من إفاضة النفس عليها بإذن الله سبحانه فإليها مساقها و معادها.
و لأجل ذلك ترى نفوسنا ينتزع تلك الصور عن موادها إليها بقواها الحسية- و يتصرف فيها كيف يشاء بقوتها المتصرفة و المتخيلة فكل ما بقي في الطبيعة فهي في النفس- تنزلت إليها غير أن الطبيعة شوشتها و كدرتها لما مازحتها و اختلطت بها إذ كانت دونها في الرتبة [١].
و قد مر بيان أن الوجود الجسماني ممزوج بالأعدام و مختلط لبه بالقشور و صفاه بالكدور فسميت تلك الشوائب المكدرة شرا و وبالا لما كانت معوقة للخيرات- و حصلت من ذلك الأشياء المتضادة المخالفة بعضها لبعض من الشرور و النقائص و الآفات و المحن و سائر ما يوجد في هذا العالم الطبيعي و هو بجملته عالم الكون و الفساد و عالم التضاد سواء كان على نعت الاتصال كعالم الأفلاك أو على نعت الانفصال الانفكاكي كعالم الأسطقسات و المركبات و كل كمال و لذة في هذا العالم فأصله في عالم آخر و هو هناك على وجه أتم و أقوى و أشد و أعلى و ألذ و أصفى.
و كيف يتوهم متوهم أن اللذات و الخيرات موجودة في المحل الناقص- و معدومة في المحل الفاضل و إذا كان الأمر كما وصفناه فكل شيء يعود إلى أصله و كل ناقص يتوجه و يرجع إلى كماله و كل سعيد ينقلب إلى أهله مسرورا و كل شقي يتعذب مدة بشقائه و يتبدل عليه جلوده نضجا بعد نضج حتى يصعد إلى دار النعيم أو يهوي إلى مقره في الحميم فَأَمَّا مَنْ طَغى وَ آثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى- وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى
[١] يعني لما كانت رتبة الطبيعة أدون و أنزل من رتبة النفس لأنها نازلة منها فلم يكن لها الصفاء في الوجود فكانت كدرة و مكدرة، إسماعيل رحمه الله