الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٩١
فصل (١٠) في الإشارة إلى نحو وجود الأشياء الكائنات
قد علمت مما سبق بعض الأسباب القريبة لوجود الأمور الطبيعية و هي المادة الأولى و الصورة و انجر البحث في تلازمهما إلى إثبات السبب العقلي الفاعلي للأجسام- و ستقف فيما يرد عليك من مباحث الحركات الكلية إثبات الغايات العقلية و هما سببان قاصيان لوجود الكائنات التي هي تحت السماويات فلو كان وجود هذه الأشياء على وجه يصح حصولها من ذينك السببين المفارقين فقط من غير حاجة إلى سببين مفارقين- لكانت سبيلها أن يبقى و يدوم و لكانت على تمامها اللائق في أول تكونها فكان أولها عين آخرها و لكن لما كان قوامها من مادة و صورة و كانت مع ذلك متضادة الصور- متفاسدة الكيفيات الأولية و كل مادة لكونها قوة قابلة.
فإن من شأنها أن يوجد لها هذه الصورة و ضدها صار لكل واحد من هذه الأجسام حق و استيهال بصورته و حق و استيهال بمادته فالذي له بحق صورته أن يبقى و يدوم على الوجه الذي له و الذي له بحق مادته أن يتغير و يوجد لها وجود مضاد لوجوده الذي كان لها و إذا كان لا يمكن أن يوفى هذان الحقان معا في وقت واحد إذ لا يمكن أن يتصور المادة بصور متضادة في زمان واحد.
بل نقول إن جميع صور الموجودات التي في هذا العالم كانت في العالم العقلي بإبداع الواجب تعالى إياها كما ستعلم و قد مرت الإشارة إلى وجود هذه الصور وجودا مفارقا و كان وجود الفاعل الأول يقتضي تكميل المادة بوجودها في هذا العالم- لأنه من التوابع المتأخرة على سبيل الفيض و كان إيجادها في المادة على سبيل الإبداع مستحيلا إذ هي غير متأتية بل متعصية لوجود صورتين معا فضلا عن تلك الكثرة- فقدر بلطيف حكمته حركة دورية و زمانا غير منبت و مادة مستحيلة من صورة إلى صورة و لزم ضرورة أن يوفى هذه إلى مدة و ذا إلى مدة فيوجد هذه و يبقى مدة ما