الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٤٥
و قال أيضا إن هذا العالم قد اضمحلت قشوره و ذهب دنسه و صار بسيطا روحانيا- و بقي ما فيه من الجواهر الصافية النورانية في حد المراتب الروحانية مثل العوالم العلوية و بقي فيه جوهر كله قشر و دنس و خبث هذه كلماته.
أقول قد انكشف و تبين من هذه الكلمات التي في غاية الحسن و الإتقان أن مذهب هذا الحكيم الرباني المشهور بين الناس بأنه دهري هو بعينه مذهب أفلاطن- و من تقدمه في حدوث العالم و خرابه و بواره و بقاء العالم الإلهي و الصور الربانية.
و أنه لما رأى و انكشف له اتصال أواخر هذا العالم بأوائل ذلك العالم اتصال المعلوم المفاض بعلته الفياضة و اتصال ذي الغاية بغايته و لحوق الناس بكماله و تمامه- و ذلك العالم الربوبي باق ببقاء الله دائم بديموميته حكم أحيانا بأزلية هذا العالم بهذا المعنى كما يقال إن أبداننا باقية ببقاء نفوسنا مع أن البدن سائل زائل في كل آن كما علم.
فقوله بدهر هذا العالم ليس يعني به أن الصور الطبيعية الحسية التي للأفلاك و غيرها أزلية الأشخاص و الأعداد بل عنى به أن صورتها العقلية البسيطة الموجودة في علم الله باقية عنده غير داثرة بدثور هذه الحسيات المركبة و ذلك لأن الدثور يقتضي غاية و معادا غير داثر كما أن الحدوث يقتضي مبدأ و فاعلا غير كائن لامتناع أن يكون لكل غاية غاية إلى لا نهاية أو أن يكون لكل مبدإ مبدأ لا إلى بداية ففي الطرفين لا بد و أن ينتهي الأشياء المتجددة إلى أمر لا بداية له و لا نهاية له.
فإذن مرجع قوله إن العالم قديم على الوجه الذي مر تحقيقه إلى أن الصانع له قديم و هو المبدأ الذي منه بدو كل باد و المعاد الذي إليه أوب كل آئب فما ذكره قول حق و صواب بشرط أن يعلم قائله و يذعن بأن الصور العقلية الدائمة التي هي بواطن هذه الصور الداثرة الطبيعية ليست موجودات مستقلة الوجود مبائنة الذوات لوجود باريها و جاعلها الحق الأول ليلزم تعدد القدماء كما يقوله الصفاتية و لا حالة