الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣١٠
أمر موكول تحقيقه إلى العالم الإلهي.
و أما تحقيق ماهيتها تصورا و الاطلاع على أحوالها وضعا و تسليما فأمر لا محيص عنه لباحث الأمور الطبيعية المتغيرة فليعلم أولا أن الفاعل في الأمور الطبيعية هو مبدأ الحركة في آخر من حيث هو آخر.
و المراد بالحركة هاهنا كل خروج من القوة إلى الفعل في أي مادة كان- و النفس إذا عالجت نفسها فالمعالج يحرك العليل بما هو طبيب لا بما هو عليل و المستعلج يقبل العلاج بما هو عليل لا بما هو طبيب و هذا أيضا إنما يتم على مذهبنا في النفس في كونها ذا مقامات مختلفة لأن موضوع القبول و الفعل مما لا يكفي فيه التغاير بالاعتبار إذ ليس هذا التغاير كتغاير العاقل و المعقول مثلا.
اعلم أن الفاعل بهذا المعنى إما مهيىء للحركة أو متمم لها فالمهيىء هو الذي يصلح المادة بالإحالات و الإنضاجات المعدة لقبول الصورة و المتمم هو الذي يفيد الصورة و هي تمام الحركة.
و الحق أن الأول مباشر للمادة ملاصق و الثاني مفارق و لا شبهة في أن مفيد الصور المقومة للأنواع الطبيعية سيما التي للأنواع الشريفة كالفلك و الإنسان مثلا- يجب أن يكون مبدأ خارجا عن عالم الطبيعة و ليس على الطبيعي أن يعلم ذلك أنه ما هو و أنه واحد أو كثير بعد أن يضع أن هاهنا أمرا يعطي الصور و كل من المهيىء و المعطي مبدأ للحركة و مخرج للمادة من القوة إلى الفعل و كل منهما عند التحقيق صورة أيضا لكن غير الصورة التي يترتب وجودها على وجود الحركة و القوة.
أما المهيىء فصورة جزئية أخس وجودا من التي إليها الحركة و أما المعطي فصورة كلية أشرف من الصورة المعطاة و كلاهما بعد المثير أي المشوق فإن من جملة مبادي الحركة هو الذي يقال له المثير أو المشوق فهو المبدأ البعيد للحركة- بتوسط أمر آخر و ذلك لأنه سبب للصورة النفسانية التي هي مبدأ حركة إرادية فهو مبدأ المبدإ.
صدرالدين
الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ؛ ج٥ ؛ ص٣١٠