الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٩
و من هؤلاء الأعاظم انكساغورس الملطي
رأيه في الوحدانية مثل رأي ثاليس- إلا أن في كلامه رموزا و تجوزات يتوهم أن فيه تجسيم الإله تعالى الحق عن ذلك علوا كبيرا مثل ما حكي أنه قال إن الحق الأول ساكن غير متحرك و السكون في عرفهم عبارة عن الوجوب الذاتي و ربما يطلق عندهم بمعنى عدم التفات العالي إلى السافل إذا كان مفارقا محضا و الحركة عبارة عن الفاعلية أي الإيجاد التدريجي أو عن الوجود بعد العدم.
و حكي عنه فرفوريوس أنه قال أصل الأشياء جسم واحد موضوع للكل لا نهاية له و منه يخرج جميع الأجسام و القوى الجسمانية.
أقول لعله أراد بالجسم الأول الموجود الأول و عبر عنه بالجسم لأنه فاعله و مقومه و مصوره و لا يبعد أن يكون عنى به الهيولى الأولى المتقومة ذاتها من الجوهر الامتدادي مطلقا و هي المبدأ القابلي للكائنات و فيها القوة الغير المتناهية للانفعال- حسب ما يكتسبها من الفاعل الأول الغير المتناهي في الفعل.
و حكي عنه أن الأشياء كانت ساكنة ثم إن العقل رتبها ترتيبا على أحسن نظام- فوضعها مواضعها من عال و من سافل و من متوسط ثم من متحرك و من ساكن و من مستقيم الحركة و من دائرة و من أفلاك متحركة على الدوران و من عناصر متحركة على الاستقامة و هي كلها بهذا الترتيب مظهرات لما في الجسم الأول من الموجودات و يحكى عنه أن المرتب هو الطبيعة و ربما يقول المرتب هو الباري.
أقول قد علم من الأصول التي أسلفنا ذكرها وجه صحة ما ذكره فتدبر كي تدرك غوره و معنى قوله أن الأشياء كانت ساكنة أنها كانت لها كينونة عقلية قبل هذه الأكوان الطبيعية.
و من هؤلاء انكسيمانس الملطي
المعروف بالحكمة المذكور بالخبر كان يقول إن هذا العالم يدثر و يدخله الفساد و من أجل أنه سفل تلك العوالم و ثفلها نسبته إليها نسبة القشر إلى اللب و القشر يرمى.