الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٤
أقول الموت إن كان عبارة عن انصراف النفس عن عالم الطبيعة فلا بد منه في كل تعقل و إدراك لمعقول لكن التعقل التام للمعقولات يلزمه الانصراف التام و التعقل الناقص يلزمه الانصراف الناقص و ربما يكون النفس مجردة بجهة مادية بجهة أخرى و وحدة النفس ليست كوحدة النقطة و أشباهها حتى لا يتحد بأشياء كثيرة- بل لها وحدة جامعة لمقامات شتى و إن كان الموت عبارة عن فساد البدن عن قابلية تعلق النفس فليس ذلك شرطا في صيرورة النفس عقلا بالفعل و لا كونها عقلا بالفعل مما ينافي أن يدبر الجسم الطبيعي ببعض قواها التي هي بمنزلة شعاع من نور العقل شبه ما كانت النفس أولا قبل الاستكمال سيما البدن الذي ضعفت قوته و وهنت مادته إذ يكفيه لمعة من نور العقل الفعال أ لا ترى أن النفس في حالة النوم مجردة عن البدن و لكن تدبر البدن ببعض قواها و أما إنكارها لاستحالة المادي إلى المجرد فمبناه على نفي الاشتداد للجوهر و قد أثبتناه فيما سبق بيانه.
و أما قوله لو توقف إدراك الكليات على استحالة النفس إلى درجة العقل لم يترتب على النفس قبل ذلك.
فالجواب ما أشرنا إليه من أن المترتب عليها أولا قوة ذلك الإدراك و استعداده و هذه القوة أعني قوة وجود العقل بمنزلة فصل النفس كما أن قوة وجود الجسم بمنزلة فصل الهيولى إذ النفس أولا عقل هيولاني ثم يصير عقلا بالفعل بعد استحالات كثيرة لها في التجوهر النفساني.
ثم قال لا نسلم أن التركيب الحقيقي بين المجرد و المادي غير معقول إذا كان ذلك المجرد متعلقا به تعلق التدبير و التصرف كما بين النفس و البدن و كون كل منهما تحت جنس آخر لا يقدح فيه.
و ليت شعري إذا لم يكن الاختلاف في الحقيقة مانعا من الاتصال الحقيقي في أجزاء الياقوت بل من الاتحاد في الوجود كما في المادة و الصورة فلما ذا يمنع من التركيب الحقيقي.