الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٩٥
فصل (١) فيه لامعة عرشية
قد لوحنا لك فيما سلف من الكلام أن إدارة الأفلاك و تسيير الكواكب و جريان العالم على ما هو به إنما الغرض به أن يكون العالم كله خيرا و سعادة و أن أصل الإبداع و الإيجاد جود الباري و رحمته و إيصال كل شيء إلى كماله و منتهاه و تحريكه إلى غايته و مناه و إبلاغ السافل إلى العالي و تصوير كل مادة بصورتها اللائقة بها و تصيرها أفضل ما يتصور في حقها.
فكما أن بلوغ المتحرك الطبيعي إلى حيزه سكونه و كذا بلوغ الطبيعة إلى القوة النفسانية غايتها فكذا بلوغ النفس إلى درجة العقل سكونها و هو نهاية النفس كما أن الباري نهاية العقل و ما دونه فعند ذلك الراحة الدائمة و الطمأنينة التامة و الخير العظمى.
و هذا هو الغرض الأقصى في بناء العالم و تحريك السماوات و تسيير الكواكب و الأجرام و سائر الاستحالات و الانقلابات و في إنزال الملائكة و الرسل ع- من السماء بالكتب و الوحي و الأنباء أعني أن الغرض كله أن يصير العالم كله خيرا- فيزول منه الشر و النقص و يعود إلى ما بدأ منه فيصير لاحقا آخره بأوله و عاطفا نهاية دوره بمبدئه فيتم الحكمة و تكمل الخلقة و يرتفع عالم الكون و الفساد و يبطل الدنيا و يقوم القيامة الكبرى و ينمحق الشر و أهله و ينقرض الكفر و حزبه و يبطل الباطل و يحق الحق بكلماته فهذا هو الغرض الأقصى و المعرفة العظمى.
فظهر من هذا البيان أن الأجسام و طبائعها و قواها كلها عرضة للدثور و الفناء و لا حظ لها من الديمومة و البقاء فاحفظ هذا السر المخزون و العلم المكنون الذي لا يمسه إلا المطهرون.