الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٢٥
فليست من هذا الباب كما أشرنا إليه فلا تناقض بين كلامي الشيخ.
و أما قوله الشمس تسخن وجه الأرض من غير ملاقاة و قولك إنها تجفف الأرض المبتلة كالطين و أيضا تبيض ثوب القصار و تسود وجهه من غير ملاقاة- فنقول فعل الشمس أولا و بالذات ليس إلا واحدا متشابها هو الإضاءة و الإنارة- و هذا أمر يحدث دفعة في هذه الأجسام القابلة له المنفعلة ثم إذا قبلت النور دفعة و مضى على وجود الضوء في مادة قابلة للضوء و السخونة منفعلة بفعل الضوء فيها فعل السخونة- لأجل مناسبة الحرارة للنور فيتسخن الجسم ثم يفعل السخونة في الجسم الكثيف سوادا بعد تجفيفه و في الجسم اللطيف بياضا بعد تصفيته و تصقيله على حسب اختلاف الأحوال القوابل.
و بالجملة الجسم الحار مثلا كالنار لا يؤثر بالسخونة في شيء إلا بالملاقاة و التماس و أما أن قابل الحرارة لا يقبل الحرارة من أي فاعل كان إلا بالمماسة و بملاقاة فاعل السخونة فهو أمر آخر غير لازم من القضية المذكورة و ليس بمعلوم الاستحالة إذ لا استحالة في أن تأثر جسم من غير مباشرة جسم و أن يتسخن قابل من غير مسخن ملاق له أو من مسخن غير متسخن كالحركة و نحوها كما أن كل متحرك لا يجب أن يكون من محرك متحرك بل قد يتحرك من محرك غير متحرك لا على نحو المباشرة بل على نحو المفارقة كحركات نفوس الأفلاك من محركات عقلية على سبيل التشويق و الإمداد.
فإذا تقرر هذا الكلام فنقول لا امتناع في أن يكون جسم بارد رطب مثلا ثم لا يزال يستحيل في كلتا كيفيته الفاعلة و المنفعلة بسبب أسباب داخلة أو خارجة كإضاءة الكواكب و هبوب الرياح حتى يميل برودته إلى الحرارة و الرطوبة إلى اليبوسة فيحصل له كيفية معتدلة بسيطة متوسطة بين هذه الأربع الأوائل الملموسة فيوجد مزاج من غير امتزاج فيكون هناك صورة واحدة لها كيفية مزاجية من غير حاجة إلى تركيب أجزاء- متصغرة متماسة و من منع عن تجويز وقوعه فعليه البرهان على استحالة ذلك.