الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٠
للأجساد دون الأرواح و إن كانت تلك المواد صورا لمواد هي أخس منها وجودا و حكى الشيخ في الشفاء أن بعض الطبيعيين رفض مراعاة أمر الصورة رفضا كليا و اعتقد أن المادة هي التي يجب أن يحصل و يعرف فإذا حصلت فما بعد ذلك أعراض و لو احق غير متناهية لا تضبط و يشبه أن يكون هذه المادة التي قصر عليها هؤلاء نظرهم هي المادة المجسمة المنطبعة دون الأولى فكأنهم عن الأولى غافلون يعني لو تفطنوا لعلموا أن الذي حصلوه و عرفوه على زعمهم و جعلوه مادة فهي بالحقيقة صورة.
قال و ربما احتج بعض هؤلاء ببعض الصنائع و قايس بين الصناعة الطبيعية النفرية- و بين الصناعة المهيئة فقال إن مستنبط الحديد وكده تحصيل الحديد و الغواص وكده تحصيل الدر و ما عليهما من صورتهما و الذي يظهر لنا فساد هذا الرأي إفقاده إيانا الوقوف على خصائص الأمور الطبيعية و نوعياتها التي هي صورتها و مناقضة صاحب هذا المذهب نفسه فإنه إن أقنعه الوقوف على الهيولى الغير المصورة- فقد قنع من العلم بمعرفة شيء لا وجود له بل كأنه أمر بالقوة ثم من أي الطريق يسلك إلى إدراكه إذ قد أعرض عن الصور و الأعراض صفحا و هي التي تجر أذهاننا إلى إثباته- فإن لم يقنعه الوقوف على الهيولى الغير المصورة و رام للهيولى صورة كالهوائية و المائية و غير ذلك- فما خرج عن النظر في الصورة ثم ذكر أن مستنبط الحديد ليس الحديد بموضوع صناعته بل هو غايتها و موضوعها الأجسام المعدنية التي يكتب عليها بالحفر و التذويب و فعل ذلك هو صورة صناعته ثم تحصيل الحديد غايته و هو موضوع لصنائع أخرى و بالجملة طلب كل شيء فهو بالحقيقة طلبه بما هو صورة لا بما هو مادة.
ثم قال و قد قام بإزاء هؤلاء طائفة أخرى من الناظرين في علم الطبيعة فاستخفوا بالمادة أصلا و قالوا إنها إنما قصدت في الوجود ليظهر فيها الصور و إن المقصود الأول هو الصورة و إن من أحاط بالصورة علما فقد استغنى عن الالتفات إلى المادة إلا على سبيل شروع فيما لا يعنيه.