الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٧
عرف الله حق معرفته يحصل له بمعرفته تعالى معرفة جميع الأشياء الكلية و الجزئية فيكون علمه بأي شيء كلي أو جزئي من مسائل العلم الإلهي لأن علومه حصلت من النظر في حقيقة الوجود و توابعها و عوارضها و عوارض عوارضها و هكذا إلى أن ينتهي إلى الشخصيات.
و هذا هو العلم بالجزئيات على الوجه الكلي المسمى بالعلم الإلهي و الفلسفة الأولى إلا أن العقول الإنسانية لما كانت قاصرة عن الإحاطة بالأسباب القاصية- المستعلية البعيدة عن الجزئيات النازلة في هوى السفل الثانية عن الحق الأول في هاوية البعد فلا يمكن لهم استعلام الجزئيات المتغيرة عن الأسباب العالية فضلا عن مسبب الأسباب فلا جرم وضعوا العلوم تحت العلوم و أخذوا مبادي العلم الأسفل من مسائل العلم الأعلى فشغلهم شأن من شأن و أما الأولياء و العرفاء فجعلوا الحق مبدأ علومهم بالأشياء الطبيعية و الرياضية و الإلهية كما أنه مبدأ وجود تلك الأشياء-
و قد روي عن أمير المؤمنين ص: ما رأيت شيئا إلا و قد رأيت الله قبله
و إليه الإشارة أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.
و بالجملة فإن الأشياء ذوي الأسباب [١] لا يحصل العلم اليقيني بها إلا من جهة أسبابها و عللها و هي أربعة فاعل و غاية و صورة و مادة.
فمن الأشياء ما له جميع هذه الأسباب.
و منها ما لا يكون لها إلا الأولين و العلوم المختصة بمثله يسمى علوم المفارقات و ما يخص بما له جميع الأسباب هو العلم الطبيعي إذا كانت أمرا مخصوصا و إلا فهو الرياضي فالبحث عن نحو وجود الجسم المطلق و إثبات المادة و الصورة
[١] لأن ذوات الأسباب لا يعرف إلا بأسبابها و لما كان سبب جميع الأشياء هو الله تعالى فلا يعرف شيء من الأشياء إلا بمعرفته فيكون معرفته مقدمة على معرفة الأشياء كما أن وجوده مقدم على وجودها، إسماعيل رحمه الله