الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٦٥
من غير اشتراك الجميع فيها فلا يبعد أن يفيد العلم الطبيعي إثباتها إنية و ماهية معا.
ثم إن الأشياء الطبيعية إذا كانت لها مباد عامة مشتركة و أخرى جزئية مختصة- مثل مباد النمو و الحس فطريق التعلم و التعليم فيها أن يبتدئ في السلوك مما هو أعم- و ينتهي إلى ما هو أخص و هذا في مبادي القوام و الحد معلوم لكل من له أدنى بصيرة- فإنك إذا أردت أن تعرف ماهية الإنسان بحده و حقيقته فمعرفتك لجنسه و هو جزؤه المادي أقدم من معرفتك لنوعه فثبت أن العالم أعرف عند العقل من الخاص.
و من ارتاضت نفسه بالفلسفة الإلهية يعرف أن مبادي الوجود أيضا كالفاعل و الغاية أقدم تعرفا في ذاتها من معلولاتها و كانا قد أوضحنا هذا فيما قبل.
و بالجملة المنهج الأشرف في التعليم أن يكون السلوك العلمي مطابقا للسلوك الوجودي النازل من الأعلى إلى الأسفل و من الأعم الأشمل إلى الأخص الأقل فمن أراد أن يعرف الأمور الطبيعية فينبغي له أن يأخذ أولا من مبادي الطبيعة المشتركة إلى تلك الطبيعة و أحوالها و منها إلى الطبائع المختصة و أحوالها من جهة مباديها الغير المشتركة إذ الأمور العامة أعرف عند عقولنا من الأمور الخاصة.
و أما عند الطبيعة فإن كانت جزئية فالشخص الجزئي أعرف عندها من المعنى النوعي- و بعده المعنى الجنسي فإن المقصود في الطبيعة الجزئية ليس أن يوجد حيوانا مطلقا و لا جسما مطلقا بل أن يوجد أولا جسما خاصا ثم حيوانا خاصا ثم إنسانا و هكذا إلى أن ينتهي إلى حقيقة خاصة جامعة لكل كمال في الطبيعة و أما المقصود في الطبيعة الكلية [١] بالمعنى الذي حققناه فهو أولا و بالذات وجود ما هو أعلى و أشرف منها في الحيطة و الجمعية- ثم ما يليه على وجه التبعية و اللزوم و هكذا إلى أن ينتهي في النزول إلى الجسمية و الهيولى.
[١] و هي الإنسان الكامل الذي أوفى جوامع الكلم و حينئذ يكون طبيعة كلية و صورة مفارقة عقلية و هذا مسلك أنيق و منهج دقيق يثبت به المثل الإلهية و الصور المفارقة العقلية للأنواع الطبيعية حسب ما رآه الأفلاطن الشريف الإلهي موافقا لأستاذه سقراط كما سلف مستقصى فافهم، إسماعيل رحمه الله